الثلاثاء، 18 نوفمبر، 2008

عالم المرأة



















مقـدمة
الإنسان البدائي الذي سكن المغاور والكهوف ، والتقط الثمار، وأكل لحوم الحيوانات ، لم يكن يعرف المحظورات ، والتابوات ، وحياة الأمن والاستقرار.
لأنه لم يكن مالكاً أو مزارعاً أو صانعاً.
فبعد أن اكتشــــف النار، قام بصناعة أدواته الحجرية والفخارية والمعدنية ، وبنى بيته ، ودجّن بعض الحيوانات ، ومارس الزراعة ، واخترع اللغة والعبادة ، أوجد المحظورات والممنوعات والتابوات .
لأنّه أصبح مزارعاً، وصانعاً، ومالكاً.
وكانت الجمهــورية الأولى في النظـــام المشـاعي ، جمهـورية نسائية ، احتكرت السلطة.
واعتمدت الأنثى تعدديـة الأزواج ، وحمــايتهم ، ورعايتهم ، ووزعت لهم الأعمال .
وأوكلت إليهم المهام . وألحقت أبناءها بالأب الزوج الذي تراه مناسباً.
وعندما تغيرت الظروف التاريخية، وتحمّل الرجال مسؤولياتهم التاريخية في الإنتاجين المدني والحربي، انتقلت السيادة السلطوية من المعسكر الأنثوي إلى المعسكر الذكوري .
لذا، أصبح الواقع العالمي بعامه والواقع الإقليمي بخاصة يمثلان مجتمعات ذكورية /أبوية/ رعوية مجحفة بحقوق الأنثى التي حولوها إلى غانية / سلعة رائجة/ قطعة ديكور رائعة في الأثاث المنزلي .
وساعد خلو ذكور البيت الحاكم من استلام السلطة في مؤسسات العرش الملكي، إلى وصول عدد من نساء البيت الحاكم إلى تسنم السلطة في العصور التاريخية القديمة.
كما أوصلت مخادع القصور السياسية الملكية بعض الحريم، إلى إدارة مؤسسات العرش في العصور التاريخية الوسطى .
في العصور السياسية الحديثة ، استخدمت المرأة رمزاً منفعلاً لا فاعلاً ، في حصولها على مناصب رسمية / قيادية ، خدمة للمؤسسة الذكورية.
النســـاء اللواتي تسـنمن مراكز قيادية في النصف الثاني من القرن الفائت ، امتلكن جينات تاريخية ذكورية. وحملن بذور عسكرة الحضارة . وعملن على خدمة المؤسسات الذكورية لا الأنثوية .
لأن الأنوثة صنعتها حضارة الرجال. وليست الأنثى امرأة بالولادة، بل هي صيرورة تاريخية فرضتها حضارة الرجال في أدبيات سيمون دي بوفوار.
اللغة / الطبيعة / الأرض / عطارد / الشمس / الزهرة مفردات تمّ تأنيثها بفعل تأثيرات الجمهورية النسائية الأولى. وانتقلت إلى الجمهوريات الذكورية اللاحقة.
يبقى حق المواطنة ليس هديّة مجانيّة يقدمه طرف رسمي لأهلي ، أو ذكوريّ لأنثوي ، بل هو جهود وتضحيات وتطورات تاريخية /ثقافية/ اجتماعية /اقتصادية /سياسية/، تتشكل داخل التاريخ ، لا فوقه ، ولا خارجه.
والواجبات الملقاة على الجنسين تبقى خيارات متلازمة للأفراد في المجتمع المدني/الراقي/ الديمقراطي/ الليبرالي ، وفرائض إجبارية في ظل السلطة الشمولية المطلقة.
في القرن 21، تصبح السلطة مشتركة بين الجنسين .
وتصبح الأنثى قوة تاريخية فاعلة ، ومشاركاً معادلاً للرجل في المؤسسات المدنية/العسكرية/ ، وصانعاً للسلعة والمعلومة والقرار، مما يجعل النزعة السلمية /الإنسانوية/ الجمالية لدى النساء تتنامى تدريجياً على حساب النزعة العدوانية الذكورية /الحربية .
لأنّ واقع المرأة أقرب إلى الدينامية من الرجل.
وتمتلك مرونة عالية المستوى في علاقاتها الدبلوماسية مع الآخرين .
لأنّها أمّ حقيقية للأبناء وللوطن وللأمة وللعالم .
تبقى المرأة محتفظة بتفوقها على الرجل في العدالة والسلم ، ومتمسّكة بعلاقاتها المميزة بالنظام الأســري ، ومشكلة مع الرجل علاقة الزوج الإنسانوي ، ومؤنسنة للمفردات التي تتعامل معها ، ومحررة الكائن البشري من شعوره بالدونية أو بالساديّة ، وإعادته إلى فطرته الأولى ، ومفجّرة ينابيع الحب في مجتمع الحرية ، والوعي ، والتربية ، وتحمّل المسؤولية ، وموظفة الصواريخ والمركبات الفضائية ، والأقمار الاصطناعية ، والثورة المعلوماتية لصالح السلم والرّفاه والحرية .
لأنّ حضـور الأنثى التاريخي المؤنسـن ضرورة تاريخية لتحرير الشمال من عسكرة الحضارة، وتحرير الجنوب من البؤس الثقافي والمادي.
وباختصار : بداية التاريخ : جمهورية أنثوية .
ونهاية التاريخ : جمهورية ذكورية .
أمّا في العالم المتقدم فتحاول الأنثى أن تؤسس مع الرجل شراكة في الجمهورية ، ومن ثم تنتزع منه راهنــاً، ما انتُزِع منها ســابقاً ، لتصبح ســـيدة محترمة في جمهورية العولمة التي حوّلت الكـرة الأرضية إلى ضيعة الكترونية .
المرأة بين التهميش والتفعيل
الواقع العربي يمثل مجتمعاً ذكورياً /أبويا/ رعوياً .
ويمتلك إرثاً تاريخياً مجحفاً بحق المرأة .
وخلو مؤسسات العرش من سلطة الذكور ، أوصل عدداً من نساء الأسرة الحاكمة إلى تسلم السلطة في العصور التاريخية القديمة " بلقيس اليمنية - زنوبيا التدمرية - أروى وأسماء اليمنيتين " .
كما أوصلت مخادع القصور السياسية ، بعض الحريم إلى إدارة مؤسسات العرش في العصور الوسطى " الخيزران وزبيدة العباسيتين - شجرة الدر المصرية " .
وإن تسنّم المرأة للسلطة السياسية ، لم يكن احتراماً لها كامرأة فاعلة في حد ذاتها ، بل لأنها كانت امتداداً لقرابة تربطها بالســلطة الذكورية من آباء وأزواج وأبناء .
وفي القصور السياسية في العصر الحديث، وصلت بعض النسوة إلى مراكز سلطوية قيادية.
لأنهن كن امتداداً لسـلطة سياســــية ذكورية تجمع بينهما القرابة الدموية " أنديرا غاندي الهندية- بوناظير بوتو الباكستانية " .
لقد استخدمت المرأة وســـيلة لا غاية ، للحصول على مناصب حكومية أنثوية ، توظف لصالح السلطة الذكورية .
واعتبرت حكومات المدن أول شكل من أشكال التنظيم السياسي.
وقبــل أن تظهـر حكومـات المــدن ، للضـوء التاريخي، كانت السلطة مؤنثة ... كانت جمهورية المرأة الأولى ، المحتكرة للسلطة ، تعدد الأزواج ، وتحميهم ، وترعاهم ، وتوزع لهم الأعمال والمهام ، وتلحق أبناءها بالأب / الزوج الذي تختاره . وتأثرت الجمهوريات التاريخية بعامّة وجمهورية أفلاطون بخاصة بمبادئ الجمهورية النسائية الأولى .
وقبل 6500 سنة ، انهارت دولة النساء ، وظهرت دولة الرجال .
وتكونت التابوات بظهور الملكيات ، ومن ثم ظهرت للضوء التاريخي الأدلجات الدينية لتعطي للملكية وللعائلة القداسات الحقوقية والقيمية .
الذكور تزوجوا السلطة . وطلقوا الأكثرية الشعبية. ولم يكونوا يطمحون إلى تحرير العالم من العسكرة ، وأســلحتها التقليدية والنوويـة ، وأشعتها الليزرية، وعقولها الكمبيوترية الحربية .
ولم يعملوا على إيقاف الزحف السلبي، زحف الأغنياء نحو التخمة ، دافعين الفقراء باتجاه البطالة والفاقة .
والتاريخ قديمه ووسيطه وحاضره ، يزدحم بنساء مبدعات وفاعلات في العلوم السياسية والإنسانية .
ومن النســاء اللواتي تسنّمن مناصب قيادية في الثلث الأخير من القرن الفائت ، وفي ظلّ دولة الرجال ، " أنديرا غاندي الهندية - مارغريت تاتشر البريطانية- بناظير بوتو الباكستانية -جولدا ماير الاسرائيلية- بندرانايكا السيريلانكية- تومسون تشيلر التركية- سيدة فنلندية أصبحت عام 2000 رئيسة الجمهورية- كورزان اكينو- غلوريا الفيليبينية أصبحت رئيسة الجمهورية 2001 - سونيا غاندي الهندية- سيدة فرنسية انتخبت عام 1979 رئيسة البرلمان الأوروبي- سيدة فرنسية أخرى انتخبت عام 1999 رئيسة البرلمان الأوروبي- ونساء أخريات في طريقهن إلى تسلم مراكز قيادية متقدمة في القرن 21 وفي طليعتهن كونداليزا رايز وزيرة الخارجية الأميركية ، والسيدة هالونين رئيسة جمهورية فنلنده ".
يعزى وصول المرأة إلى منصب رئيس دولة أو حكومة وحزب، إلى وجود اعتبارات سياسية توازنية بين كتل ذكورية ، تتنافس فيما بينها ، وصولاً إلى تسلم السلطة الحزبية والسياسية .
والإناث اللواتي تسـلمن مراكـز قيـادية في النصف الثاني من القرن الفائت ، امتلكن جينات حاملة بذور عسكرة الحضارة كالذكور .
وعملن على خدمة المؤسسات الذكرية لا الأنثوية .
قد نجد في الجيوش الشمالية ، بعض المجندات والمتطوعات ، والقصد ليس تأنيث العسكرة ، بل ذكرنة الأنثى ، ودفعها باتجاه عسكرة الحضارة .
وفي عديد من دول الجنوب ، لا يوجد فيها برلمانات ولا نائبات ، في حين تصل نسبة النساء البرلمانيات في الدول الاسكندنافيه إلى 40% وهي أعلى نسبة تصل إليها المرأة في البرلمانات العالمية .
في التـاريخ القديم ، كانت سـلطة الملكـات بلقيس اليمنية ، والزباء التدمرية ، وكليوباترا المصرية ، وسميرامات العراقية، سلطة فعلية موظفة لخدمة المؤسسات الذكورية لا الأنثوية .
في الأزمنة التاريخية اللاحقة ، اعتمد التأريخ العربي ، التفرقة الجنسية العنصرية . وقام بتفعيل دور الرجال ، وتهميش دور النساء .
الرجال يقومون بتهميش دور النساء ، والنساء يقمن بتهميش ذواتهن !
لأن الموروث أوصى بخضوع النساء لطاعة بعولهنّ في إطار الشرع . وأن يخضع الشعب للحاكم في إطار الشرع والقانون .
وتبقى الفجوة واسعة بين الأقوال والأفعال .
أما في التاريخ الحديث ، وتحديداً في الثلث الأخير من القرن الفائت ، فقد وظّفت سلطة المرأة لخدمة المؤسسات الذكورية .
ولا بد من شروق شمس الأنثى ، لمشاركة الرجل في صناعة القرار السياسي والاقتصادي والعسكري والنقدي والاجتماعي ، لتصبح المرأة معادلاً طبيعياً للرجل ، عندما تتربى تربيته ، وتتحمل مســؤولياتها ، وتحصل على حقوقها من خلال جديتها بمواجهة متاعب الحياة ، وتصل إلى منزلة رفيعة من الحرية والوعي في أدبيات سيمون دي بوفوار.
وفي النصف الثاني من القرن الراهن ، ستؤنث السلطة في البلدان الديمقراطية كالولايات المتحدة ، وألمانيا ، وإيطاليا كما يرى فرانسيس فوكوياما .
وتنهزم تدريجيــــاً النزعة العدوانية الحربية لســلطة الذكور. وتنتصر تباعاً النزعة السلمية/ الإنسانية/ الجمالية لســلطة النساء . وتوظف الصواريخ والمركبات الفضائية ، والأقمار الاصطناعية ، والثورة المعلوماتية لصالح السلم والرّفاه والحرية .
ويتم تنقية الايكولوجيا من التلوث المادي والفكري والروحي .
لأن واقع المرأة العام أقرب إلى الدبلوماسية من واقع الرجل .
وتمتلك مرونة عاليــة المســـتوى ، في تعاملها مع النسـيج الاجتماعي ، وشفافية إنسانية/ سلمية .
لأنها أم حقيقية للأبناء وللوطن وللأمة .
لذا يبقى حضور المرأة الســياسي/ العسكري/ الأمني /الاقتصادي/ الثقافي ضرورة تاريخيـة ملّحة لوضع حدّ لهيمنة الذكور القائمة على عسكرة الحضارة، وتفريغ خزائن الجنوب، لتضييق دوائر الفقر والبطالة وأفعال الأمر.
وتطمح دولة النســاء المفترضة ، إلى اســـتئصال بذور الشر والأشرار ، وتأنيس الدين، والشعر ، والمعلومة ، والإنسان ، ووضع حد لسلطة الاستهلاك والإعلان .
كانت المرأة في النصوص ، والحكايات الشعبية، والأقوال المأثورة ، والحياة اليومية في الشرق العربي، موضوعاً للمبدعين، ومصيدة للعاشقين، ومكيدة للآخرين . ونظر الخطاب الأدبي إلى المرأة الشــرقية ، نظرة بايلوجية صرفة لا نظرة إلى امرأة تمتلك دماغاً وروحاً .
ولا يحق لها أن تمارس أية دعابة أو هواية .
وحجب الخطاب الأدبي ، صوت المرأة .
وحجبت المتخيلة التاريخية ، وجه المرأة عن أعين البشر وآذانهم .
ويبقى جسد المرأة مشكلة أساسية في حياتها اليومية .
لأن الذكور صادروا حق المرأة التاريخي في تعاملها الحر والعقلاني مع جسدها وكلماتها .
ولم يخــرج الخطــاب الأدبي المتبادل بين الجنســين عن كونه خطاباً غزلياً للعشـــق العذري / الصوفي .
واعتبرت المواهب الفردية ، المرأة موضوعاً لها ، وملهمة لإبداعاتها .
وتوجد علاقة حميمة وتفاعلية بين المرأة الجميلة الرائعة والأنوات المبدعة .
(( إن ما كتبه آراغون عن عيون إلزا هو أجمل من عيون إلزا التي ستشيخ وتذبل .
وما كتبه نزار قباني عن ضفائر بلقيس أجمل بالتأكيد من شعر غزير ، كان محكوماً عليه أن يبيضّ ويتساقط.
وما رسمه ليوناردو دفانشي في ابتسامة واحدة للجوكانده ، أخذ قيمته ليس في ابتسامة ساذجة للموناليزا ، وإنما في قدرة ذلك الفنان المذهلة على نقل أحاسيس متناقصة ، وابتسامة غامضة تجمع بين الحزن والفرح في آن واحد)) (1) .
وما كتبه بابلو ، نثراً لا شعراً، عن JOULYANA-التي يخجل القمر منها عندما يشع النور من عينيها، والأرض تهتز طرباً عندما تسمع أغانيها، والبحر يشعر بالدفء عندما يلامس خلاياها، والثلج بشـعر بالغيرة عندما يرى وجهها-هو تعبير رمزي/ إيحائي عن تلازم وتلاحم أبديين بين الإنسان والطبيعة، وحب جارف بين قوتين لكائنين عاشقين إلى آخر لحظة من تاريخهما .
ويوجد في عالمنا العربي ، امرأة كاملة وفق القانون العام ، وامرأة منكسرة وفق قانون الأحوال الشخصية ، وامرأة مختفية وفق الأعراف والتقاليد .
(( يوجد في عالمنا العربي ، في وقت واحد، امرأة كاملة وأخرى منكسرة وثالثة مختفية )) (2) في مجتمع تسود غالبيته الأمية التعليمية والثقافية والكمبيوترية . ووجــدت فيه خـلال الأزمنة التاريخية بعض المنتديات الفكرية ، ومن أهمها منتدى سكينة بنت الحسين في المدينة المنورة .
ومنتدى ماريانا في مدينة حلب السورية في القرن 19 . ومنتدى مي زيادة في القاهرة، القرن العشرين .
ومنتدى كوليت خوري في دمشق ، في القرن الراهن .
واستطاع الأدباء والمفكرون أن يذكروا المنتديات السمرية / الأدبية . وقد ذكّروا المؤنث والتاريخ والجغرافية .
(( وهنا تنتهي المرأة فريسة للرجل الذي عاقبها أقسى عقاب ، لأنها تسللت إلى مملكته ، وتحرشت بسلطانة )) (3) .
وكانت مي زيادة أول ضحية مبدعة من ضحايا التاريخ الأدبي ، في حين كان خطـاب غادة الســمان ، وســعاد الصباح وكوليت خوري ، ونوال السعداوي ، وأحلام مستغانمي، وفاطمة المرنيسي خطاباً اقتحامياً لذكورية اللغة والتاريخ والذاكرة والذكر والجغرافية .
الإناث قوى منتجة ، والفاعلات منهن يمتلكن أجسادهن وكلماتهن . ويساهمن مع الجنس الآخر في تحمّل مسؤولياتهن التاريخية .
لذا لا بد للنسـاء الفاعلات من مشاركة الرجال في الشؤون السياسية والاقتصادية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الدستورية .













ســعاد الصبـــاح
تباشير المطر

تقرأ سعاد الصباح ذاتها، قائلة: (( أنا إنسانة، بداياتي الشعرية كانت خربشات على كتاب الهندسة . وأطلقوا عليّ شاعرة المدرسة ، وكنت خجولة ورومانسية ، ووالدي شجعني أن أكون عازفةً على البيانو ، وقارئة ، وناظمة للشعر . وأسسني لجيل المستقبل . وتزوجت في الستينات ، وانتميت إلى عالم الشعر . وأخذت مفرداتي الشعرية من بيئة البصرة وجغرافيتها .
تأثرت بالمتنبي الذي صقل مواهبي ، وبمدرسة أبولو ، وبالمدرسة المهجرية ، وبمدرسة نزار قباني ، وإنني فخورة بالانتماء إليها ، وأضعها وساماً على صدري .
لي ديوان ، في الفرح والحب والتفاؤل . وآخر في الحزن والفجيعة والمرارة على أثر وفاة ولدي . وعلاقتي بالرجل ، علاقة صداقة سواء كان أبي أم زوجي أم أخي . والمرأة لازالت تعيش في زنزانة الماضي ، والمجتمع صنع قفـلاً لفمهـا ولفكرهـا ، والظروف التـاريخية ظلمت المرأة ، والرجل ظلمها، والمجتمع قهرها .
وتبقى المرأة هي القضية ، لأن المـرأة هي الوطن ، والوطـن هــو المرأة ، وإذا لم تتحرر المرأة لا يتحرر الوطن )) .
ساهمت أدبيات سعاد الصباح، وليلى العثمان في زراعة بذور النهضة للمرأة الخليجية ، وتحررها ذهنياً من شعورها بالدونية والتسفيل .
ومثلت سعاد الصباح تيار الحداثة في الصور والمضامين ، والناتج عن جدل اللغة بالواقع والحياة اليومية . والحداثة عند سعاد الصباح ، تمثل نهراً متدفقاً في البناء الشعري والموقف .
قدمت مشروعاً عربياً نهضوياً يتضمن تحرير الإنسان العربي من الغبار الصحراوي الذي لحق به، والوحل المديني الذي التصق به .
وتعمل بكل الوســائل والإمكانيات المتاحة لها إلى تأسيس إنسان حرّ في وطن حرّ.
ونصّها ليس نصّاً مغلقاً ، بل هو نص مفتوح وغير مقيد باشتراطات الصحراء والقبيلة .
في نصوصها ، نجد صدقاً في التعبير عن مشاعرها وأحاسيسها ، وجرأة في الانحياز إلى الحقيقة ، ودفئاً في مفرداتها ، وشفافية إنسانوية في رؤيتها وانفعالاتها ، واقتحاماً وخرقاً للسائد/ المألوف .
تكلمت الشاعرة بصوت الرجل . واســتخدمت مفردة الضمير الأنثوي المتكلم " إنني بنت الكويت . أنا الخليجية ... أنا الحضارة " .
لأنه الأكثر درامية من غيره ، والأكثر وقعاً وتأثيراً في السـيكولوجية الإنسانية ، والأكثر صراحة وصدقاً .
استخدمت الضمير الحاضر والغائب لتعرية الواقع الشرقي ، وتحرير إنسانة من غباره الصحراوي، والموروث والذاكرة السلبيين .
وعملت سعاد الصباح بكل طاقاتها الأسلبية والحياتية لتحرير المرأة الشرقية من عقدة الدونية والتسفيل ، وإلى تصالح المرأة مع جسدها .
رفضت الشاعرة قوانين الأنثى . لأنّ الذكور صاغوا القوانين لصالحهم .
كما استهجنت المنظومة القيمية الشهريارية . واعتمدت منظومة قيمية وتربوية راقية لصالح إبداع الجنسين معاً ، قائلة :
(( كان بوسعي أن، أرقص فوق الموج ككل الحوريات
وان أتأقلم مثل جميع المسجونات
لكني خنت قوانين الأنثى
واخترت مواجهة الكلمات)) .
فضلت الشـــاعرة الواجب العام على الواجب الخاص . اختـارت المشاكسة ، مشاكسة جنون مرض العظمة لدى الذكورة . وقفت إلى جانب المهمشين والمغيبين والمتعبين من الجنسين معاً . استخدمت مفردات جديدة ومضادة لقانون القبيلة وقاموسها ." الإنسان الحبيب ، الحب المتبادل ، والعشق والصداقة ".
لذا أصبحت الشاعرة في نصوصها ويومياتها معادلاً طبيعياً للرجل في إظهار مشاعرها ، ونقل أحاسيسها مباشرة في الضوء لا في العتمة .
(( أنا البدوية
التي جاءت إليك من بحار الصين
فعلَّمني )) .
لأنّ الشاعرة لا تكترث بتاباوات القبيلة وأحكامها التعسفية . وهي توزع مشاعرها وعواطفها في فضاء واسع لا في مكان ضيق ومغلق .
(( مشاعري نحوك ، بحر ما له سواحل
وموقفي في الحبّ، لا تقبله القبائل
فاعتبروني امرأة
خارجة عن سنة الأوائل )) .
عملت الشاعرة بما تمتلكه من طاقات حيوية ، لتكوين ذات حرة ، في كرة أرضية صارت وطناً لها .
(( حين أكون بحالة عشق
أشعر أنني أمشي فوق الغيم
أسرق ضوء الشمس
وأصطاد الأقمار
حين أكون بحالة عشق
أشعر أن العالم أضحى وطني
وبإمكاني .. أن انتقل دون جواز
كالكلمات .. وكالأفكار )) .
سعاد في الوقت نفسه ، هي أم حقيقية (( حينما تكون على خريطة هذا العالم تذكر أمومتي )) .
كما تنتقد الشـــاعرة المسـتحوزين والمستعملين والمستملكين لأراضي الآخرين ، والمستبيحين لمتخيلاتهم ، أكانوا مستعمرين للشعوب أو للنساء.
وتطلب من الزوج الشـرقي أن يمنحها الحكم الذاتي . ولكن استقلال الأفراد لا يعطى منحة ، بل يؤخذ عنوة من الأزواج الذكور .
تكلمت الشاعرة بصوت المرأة في غالبية نصوصها .
أزالت الحواجز النفسية بين المرأة وجسدها ، وبين المرأة والرجل ، في مجتمع شرقي راكد يعتبر مفردة الحب " فضيحة وجريمة موصوفة " .
والمرأة التي قرأت قصائد الشاعرة ، وجدت ذاتها في القصيدة ، وكأنّها هي الشاعرة والمحبة العاشقة أو المعشوقة .
لأن الشاعرة قامت بالتوليف بين دفء نصها وتفاؤل يومياتها .
في مجموعة " امرأة بلا ســواحل 1994 " نجد عشـــر قصائد اقتحامية ، معبرة عن اللغة وصور الحياة اليومية .
لذا استطاعت الشاعرة تحرير نصوصها من قيود اللغتين ، الكلاسيكية والشعبوية المحكية .
وأخذت من اللغتين مفردات المنطق والحكمة والجرأة والدفء . وقامت بالتعشيق بين اللغتين ، لتكوين لغة ثالثة . أحبها الشعبويون والنخبويون، مما جعل نصها يمتد أفقيـاً طامحـاً إلى تجاوز الركود الحياتي ، والذهنية المجردة ، وصولاً إلى واقع حلمي متحرك ومتحول عبر نص جريء واقتحامي وفضائحي وإنسانوي ، والذي وظف اللغة القاموسية الرسمية والمحكية الشعبية لخدمة الإنسان والحياة معاً .
في مجموعتها " امرأة بلا سـواحل " نجد حباً رومانسـياً بين اثنين متحررين ، لا يعترفان بالجغرافية السـياسية التي تفصل بين عاشقين محبين. ولا يميلان إلى التفرقة العنصرية .
وهو حب مفتوح في النصوص الشعرية ، والهواء الطلق .
تقول الشاعرة في مجموعتها " امرأة بلا سواحل " :
(( الحب الكبير لم يكن في يوم من الأيـام مناقضاً للقيم العليا والأخلاق العامة. إنه حق مشروع لا يختلف عن حق الأمواج في التكسّر وحق الرعود في التفجّر
وحق العصافير في الغناء والزقزقة
فلماذا لا يسمح لي أن أكون موجة أو رعداً أو عصفورة
تغني على نافذة حبيبها ، دون أن تقتلها بواريد الصيادين ؟ )) .
وفي نفس المجموعة نجد حباً بركانياً يخترق الأعراف والمحظورات والمألوف .
(( حب يثور على الطقوس المسرحية ، على الجذور ، على النظام، حب يحاول أن يغير كل شيء، في قواميس الغرام )) .
وفي زمن يستبدل فيه التواصل البشـري بالتواصل الوهمي . ويغيّب ويهمّش الأنا الفردي والجمعي . ويسـتملك الخـارج إرادة الداخـل . ويخترق الداخـل حقوق مواطنيه . (( في زمن التلوث الروحي والفكري والقومي
هل يمكن أن نظلّ أصدقاء؟
وكيف نسترجع أيام الهوى ، ونحن مدفونات ، تحت الوحل والركام )) .
الشاعرة ترى في الشاعر، القوة القادرة على نقل مجتمعه من القهقرى إلى التقدم، وإذا لم يكن كذلك ، فلا ضرورة تاريخية لوجوده .
(( هو مخلّص الشعوب من موروثها وتخلفها
وإذا لم يكن مخلصاً، فلا ضرورة لوجود الشاعر وشعره )) .
تطمح الشاعرة إلى تحقيق عالم من القيم والمثل العليا ، وهي نبيلة في وســائلها وأهدافهـا ، ورافضة لمقولة الوعــود والوعيـد . وفي مجموعة " فتافيت امرأة " 1992 ومجموعة " في البدء كانت الأنثى " 1994 نقرأ نصوصاً شـعرية أنثوية راقية ، تعلن النشرة الجوية لدرجات الحبّ في الساحات العامة . وهي أول نصوص شعرية عربية أنثوية جريئة تقتحم المألوف والمحظور.
نصوصها ليست توصيفية لهموم المرأة وأحزانها ، بل هي نصوص مجابهة لاســتعمار الرجل الشرقي الذي حوّل نصف الوطن إلى معتقل ، والنصف الآخر إلى مغيّب ومهمّش.
الشاعرة الخليجية تدعو إلى التغيير والتجديد المستمرين في النصوص واليوميات . وتعتمد التضامن الإيجابي لا السلبي.
(( أنا الخليجية ، الهاربة من كتاب ألف ليلة وليلة
ووصايا القبيلة
أنا النخلة العربية الأصول
والمرأة الرافضة ، أنصاف الحلول
فبارك ثورتي )) .
لأن المجتمع الشرقي في غالبيته يحترم المرأة الصامتة لا الناطقة .
ويعتبر المرأة الكاتبة ، منفلشة ، والمرأة المتحررة ، شريرة وحمقاء ، والمرأة الخيرة ، امرأة القبول والطاعة المطلقة .
وأفضل النساء في أدبياته الشفاهية، الفرّاخة والخادمة
وتقول الشاعرة بلسان الذكر الشرقي :
(( إن الكتابة إثم عظمي
فلا تكتبي
وخير النساء هي المرأة الراضية
وإن التحرر رأس الخطايا
وأحلى النساء هي المرأة الجارية )) .
الشـاعرة تضامنت مع المجتمع المتحول لا مع المجتمع الثابت الركودي الذي سينقرض . ويبقى الإنسان الفاعل والمتحرر.
(( أعرف.... أن الخفافيش تمضي
وأعرف أنهم زائلون
وإنّي أنا الباقية )) .
لم تكن قصيدة الشاعرة أنثوية صرفة أو مستجدية ومكبوتة ومحافظة ، بل كانت قصيدة مجابهة ، وطامحة إلى نقل الجنسين من التهميش إلى التفعيل. وكانت تحب الآخر لذاته ، لتطرد الحزن والضجر من مملكتها .
(( كن صديقي
أنا لا أطلب أن تبتاع لي يختاً
وتهديني قصوراً
هذه الأشياء لا تسعدني
هوايتي صغيرة
هو أن أمشي ساعات
وساعات معك
تحت موسيقا المطر
وطموحي هو أن أسمع في الهاتف
صوتك
عندما يسكنني الحزن
ويبكيني الضجر )) .
المجتمع الشرقي يفرض الإقامة الجبرية على المرأة ، لأنه في الرصيف الآخر المعادي للتحرر وللحب وللصداقة .
وتبقى الشاعرة جريئة في اقتحاماتها الشعرية لمملكة الحب والصداقة .
(( اسميك
رغم احتجاج قريش
حبيبي
اسميك حنى أغيظ النساء
حبيبي
وأعرف أن القبيلة تطلب رأسي
وإن النساء
سيرقصن تحت صلبي )) .
في مجموعتها " في البدء كانت الأنثى " نجد إنساناً شرقياً يعامل المرأة سلعة وجارية ، ومتعة جنسية ، وقطعة أســـاس وديكور مميزين في قصوره الشرقية ، في حين تسعى الشاعرة بكل طاقاتها الأسلبية والحياتية لإجراء مقاربة بين أبجدية النص وأبجدية الحياة ، لأن المرأة جسد ودماء ومشاعر وطموح وحوارات .
(( فلماذا أيها الشرقي تهتم بشكلي ؟
ولا تبصر عقلي
إنني أحتاج كالأرض إلى ماء الحوار
فلماذا لا ترى في معصمي إلا السوار
ولماذا فيك شيء من بقايا شهريار ؟ )) .
ثورة الشـاعرة على الواقـع العربي الرســمي منه والأهلي في نصوصها " فتافيت امرأة " ليست توصيفية لواقع المرأة التراجيدي، بل حالة رفضية للمنظومة الأخلاقية لقيم المجتمع النفطي الاستهلاكي ، وللواقع العربي بكانتوناته الهزيلة في ظل نظام رسمي وأهلي ، مواكبة لنبض العالم المعاصر في التجديد والتحديث في جغرافية لازال فيها الأديب يصرخ شــعراً أو نثراً نيابة عن المرأة ، حيث لم يكن يسمح للمرأة أن تصرخ بصوتها الطبيعي .
وقامت الشاعرة بتعرية إمبراطورية الرجل الشرقي .
وعملت على تحرير المرأة من استعمار الرجل .
وكانت أصلب موقفاً من ســابقاتها من الشــــاعرات الخليجيات اللواتي صرخن شعراً ونثراً بأصواتهن .
الشـاعرة مع الشاعر نزار قباني شكلا مدرسة استقلالية للحداثة وللتجديد في البناء المعماري والدلالي للقصيدة السهلة / الصعبة .
لذا تطمح الشاعرة في نصوصها ويومياتها إلى صناعة امرأة تقترب من السيطرة على جسدها ، وحريتها في استعماله ، والعمل بجدية للمقاربة بين الجنسين باعتماد المساءلة وصولاً إلى إقامة الجمهورية النسائية التي تحترم القانون . وتعتمد أخلاقية العمل ، وكفاءة الأنوات ، وأنسنة الإنسان ، وتقديس حقوق المواطنة والمساءلة . وتعمل على تحرير الوطن ونصف المجتمع من الاعتقال التعسفي ، والشعور بالدونية والتسفيل .
وجعلت الشاعرة ، الشعر مشاعاً بين الجنسين .
وهي تعمل على تأنيس البشر والقيم، والرجل يحافظ على ذكوريته المستبدة.
(( أنا الحضارة
والرجال طغاة التاريخ )) .
الشعر لدى الشاعرة حالة تجاوز وارتقاء وتفعيل للإنسان وللحياة . وهو ليس
(( حفلة كوكتيل
بل هو تواصل إنساني بين الشاعر وجمهوره
والشعر شعاع وجدان، ورصد معاناة
ونشاط فكرٍ لإنتاج الجمال
حالة حلم
وكهربة لحظة ))
مفاتيح الشاعرة "الجنون والحب والصراحة والثورة .
وهي صرخة احتجاج عالية المسـتوى . وتلتقي مع صرخــات غادة السمان ، ونوال السعداوي ، وأحلام مستغانمي ، وكوليت خوري ، وسيمون دي بوفوار.
(( إنني مجنونة جداً
وأنتم عقلاء
وأنا هاربة من جنة العقل
وأنتم حكماء، أشهر الصيف لكم
فاتركوا لي انقلابات الشتاء )) .
وتمثّل الشاعرة الوجه الإيجابي للحياة الحرّة الكريمة .
ويبقى القهر العام هو الوجه الآخر السلبي للحياة .
في قصيدة " عزف منفرد على ربابة كويتية " .
تتراءى لنا فتاة كويتية ملتحفة بالسواد ، ومحاطة بقبائل تئد النساء . وهي امرأة مكسورة الخواطر، ومقهورة العواطف والمشاعر. وترفضها السلطة الرسمية والأهلية . وهي امرأة تسكنها الخرافات . وتتبعها السكاكين . ترعبها الكوابيس . يرافقها الخجل والخوف والضجر في جغرافية تخشى القصيدة وثقافة المرأة . وتمنعها من حق الانتخاب وحق التصرف بكلمتها وجسدها.
الشاعرة رأت في ناصرها العظيم المخلّص ، وفي غيره المخرّب والمدمّر.
(( كان هو الأجمل في تاريخنا
كان هو المهدي في حياتنا
والنخلة الأطول في صحرائنا
كان هو الحلم الذي يورق في أهدابنا
كان بنا يطير فوق جغرافية المكان
مستهزئاً من هذه الحواجز المصطنعة
من هذه الممالك المخترعة
من هذه الملابس الضيقة
المضحكة المرقّعة
من هذه البيارق الباهتة الألوان
كان هو القوة في أعماقنا
واللهب الأزرق في أحداقنا
والريح والإعصار والطوفان
كان هو النجمة في أسفارنا
والجملة الخضراء في تراثنا
كان هو المسيح في اعتقادنا
فهو الذي عمّدنا
وهو الذي وحّدنا
وهو الذي علمنا أن الشعوب تسْجن السجان
وأنها حين تجوع تأكل القضبان
يا ناصر العظيم لا تسأل عن الأعراب
فإنهم قد أتقنوا صناعة السباب
وواصلوا الحوار بالظفر والأنياب
وحاصروا شعوبهم بالنار والحراب
يا ناصر العظيم، سامحني
فما لدي ما أقوله
في زمن الخراب )) .
وقصيدة " إن جسمي نخلة تشرب من شط العرب "
(( إنني بنت هذا الشاطئ النائم فوق الرمل
كالظبي الجميل
في عيوني… تتلاقى
أنجم الليل... وأشجار النخيل
من هنا، أبحر أجدادي جميعاً
ثم عادوا، يحملون المستحيل
غرفتي الشمس
وجدودي اخترعوا الأمواج... والبحر
وموسيقا الرياح
صادقوا الموت
فلا الخيل استراحت
ولا السيف استراح
إن جسمي نخلة تشرب من شط العرب
وعلى صفحة نفسي ارتسمت
كل أخطاء وأحزان
وآمالْ العربْ
سوف أبقى دائماً
انتظر المهدي يأتينا
وفي عينيه، عصفور يغني
وقمر
وتباشير مطر
سوف أبقى دائماَ
أبحث عن صفصافة .... عن نجمة
عن جنّة .. خلف السراب
سوف أبقى دائماً
انتظر الورد الذي
يطلع من تحت اليباب )) .
القصيدة ولّفت بين العام والخاص ، والذات والقضّية . وأعادت بالذاكرة إلى تألق أمة العرب في ماضيها وهشاشتها في حاضرها ، وإمكانية استعادة عافيتها في المنظور القريب .
وحملت الشاعرة في عينيها وذاكرتها ، الحلم العربي " في عيوني تتلاقى أنجم الليل وأشجار النخيل" .
وانتظرت مهدياً MESSIAH " في عينيه عصفور يغني ، وقمر
وتباشير مطر " . يخلّص المجتمع من النظام العربي الشمولي ، الرسمي منه والأهلي، وينقله من القهقرى إلى التقدم، ومن السوداوية إلى التفاؤلية.
ويطبع النظام العربي الرســمي والأهلي قبلة عابـــرة على وجه الشاعرة ، ممتزجة بالحزن والفرح معاً ، مما جعلها غزيرة في منتوجها الأدبي والشعري ، ومدافعة عن حقوق المواطنة .
ومشــجعة للمبدعين من جيــل الشـباب ، وحاملـة في عينيها الجذابتين ، وفكرها المبدع ، وذاكرتها المتوقدة ، ماضيها الزاهر، وحاضرها القاحل ، ومستقبلها الواعد لصناعة تاريخ قادم ، رائع .
سعاد الصباح الأم والجدة ، الرسّامة وشاعرة قصيدة النثر والتفعيلة والعمود تقرأ ذاتها والآخرين عام 2005 قائلة : ولدت وفي أعماقي مهرة لا تعرف الحذر أو الخوف أو السكينة . كنت أحس بأني مسكونة بالعاصفة ، وأن الزمان هو زماني . كنت أحس بثقة كبيرة بنفسي . فما أقرره أعلنه وما أعلنه أفعله .
كان عبد الله المبارك ناصري الأول وسندي, فازددت به قوة , وغنمت بفروسيته رهان القتال . إنني حزينة لأن المرأة هي المتراجع الأول . وهي الجسر الذي يبنى عليه خصومها مسارهم .
المرأة العربية ليست مدعوة للثورة على غيرها ، بل على نفسها أولاً لتخرج من قارورة العطر التي حبسـت نفسها فيها . كنت أدعو المرأة للثورة على العقلية الذكورية . وأنا اليوم ادعوها إلى الثورة على ذاتها ، لأنه مالم تحقق انتصارها على هذه الذات ، فكل انتصار آخر يبدو باهتاً .
أما المثقف العربي في علاقته بالسلطة في بلده فيعاني تضييقاً كاملاً على كلمته وعلى حريته وعلى رزقه ، وليس هذا حالنا في الكويت .
لم أحسب يوماً حساب الرقيب الخارجي . أما الرقيب الذاتي فلا أحسب أنه كان شديد التحذير والقسوة .
أكاد أجزم بأنني اعرف على هذه الأرض أكثر من نصف مساحتها ، وغالبية شعوبها . يبقى لي أن أقول أن الكويت هي أجمل المدن في عيني لأن فيها أسرتي وصوتي وصداقات العمر الطويل ، وذكريات من كان ضوء ليلي الطويل . الأحلام المستحيلة لم تأخذ في خيالي حيزاً . لقد حلمت ، فعملت من أجل سعادة الآخرين . وكنت وما أزال أرى سعادتي عبر ضحكة على وجه امرأة ، أو بسمة في عيني طفل . وعندما اعترف أنني قد أضفت قطرة ندى على ابتسامة انسان أكون قد حققت ذاتي وامتلأت بنعمة الله علي " .
فتـاة غسـّان
تأنيس الشعر والحياة

الهوية الشخصية : فاطمة سليمان الأحمد
الهوية الإبداعية : فتاة غسان
صديقاهــــا : الكتاب والطبيعة
أسمى مفردة في أدبياتها : العفاف
طموحاتها : تأنيس الإنسان والوطن

الشــاعرة فتـــاة غسـان المنتصبة في قامتها وتفكيرها وأخلاقها وتربيتها ، والمتجاوزة فكريات وســـلوكيات وتربيــات وثقافات أهل تاريخها ، عاشــت متنقلة بين اللاذقية ودمشــق ، في جغرافية ساحلية سورية ، اخترعت أول أبجدية عرفتها البشرية .
الإنسان في أدبياتها يمثّل ذرّة صغيرة في حجم الكرة الأرضية ، لكنه يبقى سيد الطبيعة . وصانع التاريخ .
قرأت في سـن مبكرة أدبيات المعري والمتنبي والأصفهاني والشريف الرضي، ونحويات البصريين والكوفييّن . واكتشف والدها موهبتها المبكرة في نظم الشعر، فشجعها على مراسلة كبريات المجلات ، وتحدى الوالد الشيخ بتعليمها ومساواتها مع إخوتها، عقلية عصر الانحطاط . وراسلت الشاعرة الجمعيات النسائية والمستشرق الفرنسي ماسينيون الذي كان صديقاً لوالدها .
نشأت ، وتربت في مناخ أسروي /نهضوي/ ثقافوي ، ينبض بالمشاعر الدفيئة، والحيوية الشعرية ، والأحاسيس الوطنية ، والقيم الدينية ، التي شكلت في أدبياتها منظومة معرفية / أخلاقية هادفة إلى إجــراء المقاربة بين البشر لا التباعد ، والحب لا الحقد ، والتسامح لا الانتقام ، والتعايش السلمي الأهلي لا التناحر الفئوي/ الشرائحي .
في مسـيرتها التاريخية/ الاجتماعية حققت تجربة ريادية في التربية والثقافة ، وعبرت عن مشاعرها ، ووجدانياتها ، واحتجاجاتها ، بصرخة شعرية/ نثرية مبكرة ...
لم تكن إبداعاتها استنساخاً أو تقليداً ، بل كونت عالماً شعرياً مستوحىً من الجغرافيا الساحلية/الجبلية المغمورة بالحب ، وبالتواصل الشعبوي ، رغم أن الشاعرة اختارت الحب العذري المجرّد لا المجسّد في الواقع المعاش .
لذا قامت الشاعرة بالتوليف بين التقليد الإِتباعي ، والإبداع الرومانسي .
وقدمت الشاعرة /الناقدة فتاة غسان مشروعاً نهضوياً ينقل الأنثى من الأمية والتجهيل والتعتيم إلى دوائر التعليم والتوعية والتنوير... ويحمّل الجنسين مسؤولية المساهمة المشتركة في تقدم الوطن ... ويدعو إلى تحرير الأنثى من الشعور بالتسفيل والدونية ، وتحرير الذكر من الشعور بالسادية والعنجهية ... ويساوي بين الجنسين في الفعل التاريخي... وينقل الجنسين من الولاء للطائفة والقبيلة إلى الولاء للدولة والوطن والأمة .
ورأت أن المرأة الشرقية تنظر إلى الجمال الجسدي والعقلي بعين زوجها لا بعينها .
ورداً على هذا الموقف الوطني / الإصلاحي / التنويري / الإنساني ، لاقت الشاعرة استهجاناً من الجنسين معاً ... وتعرضت لانتقادات وضيعة / مؤلمة / لاذعة / متحاملة من قبل المتشيِّخين ، والمتملقين ، والوصوليين ، وأنصاف المتعلمين ، والجهلة بسبب سلوكياتها وأدبياتها المتجاوزة لجيل عصرها ، وبنات جنسها ، والمتفوقة على قيم مجتمعها .
لأنّها كانت شـاعرة / فاضلة / أصيلة / مستوعبة فكريات نخب أهل عصرها .
وهي أول أنثى شاعرة / ســـورية تتحرر من الحجاب السياسي/الاجتماعي ، لأن الأخلاق الرفيعة في أدبياتها تنتصر بالتربية الحديثة والوعي التاريخي ، وبالانتماء العربي الحضاري لا بالحجاب والمتحجبات .
من صديقاتها الشاعرة وجيهة شهاب الدين ، نجمة زمانها ، بصرخاتها الاحتجاجية على الواقع الاجتماعي الركودي في الساحل السوري . ومن بنات الشاعرة شهاب الدين المتفردات ، والمتجاوزات لأهل زمانهن (( مي – نبيهة – نهاد – نجاد – ماوية )) .
والدها، الشــيخ الجليل سليمان الأحمد، العالم /اللغوي/النحوي/ الفقهي / الشاعر/ الناقد الذي نشأ على الدين الحنيف .
أخوها ، بدوي الجبل الذي شكل من نقده السياسي/ الاجتماعي أجمل لوحة وطنية ، وأعظم قصيدة .
زوجها كامل ، الشيخ العصامي ، والشاعر المرتحل إلى بلاد المهجر للتحرر من أفعال الحاجة والضرورة .
ابنتها ، أمامة ، الشاعرة / الناقدة الملتزمة بوطن الديمقراطية والمساءلة وحقوق المواطنة .
شكل الشعراء الخمسة سيمفونية شعرية رائعة ، والتي لازالت تمتلك خصوصيتها المتميزة ، وحضورها الفاعل ، وشعبويتها المختارة .
لكن الشعر ليس جينات بايلوجية تورّث ، بل هو فعل إبداعي تعبيري يجري داخل التاريخ ، لا فوقه ولا خارجه .
وشكلت الأكواخ الثلاثة في أدبيات الشاعرة ، رموز أزمنة ماضوية ، وراهنة وقادمة ، ولكنها رفضت أن تحمل الماضي على كتفيها ، وفي ذاكرتها ، بل قرأت إبداعاته ، وهضمتها، وتمثلتها ، وتجاوزتها . لأن الشاعرة ارتبطت بالهوية ، ببعديها التاريخي والإنساني . وأسست الأعمدة القادمة على أبنية الحاضر المتجاوز للفعل الماضوي الذي اعتمده شعراء ، للهروب من تحمل مسؤولياتهم التاريخية في مواجهة مشاكل الحياة الراهنة ، في حين اعتمدت الشاعرة بناء الوطن ، خطوة خطوة بروح تفاؤلية / نهضوية .
وقدمت إضاءات عن شعر أخيها بدوي الجبل ، قائلة ( قصائده الدلالية / المعبرة عن عاطفة نبيلة /صادقة/جريئة ، تجعلك ضاحكاً حيناً ، وباكياً أحياناً .
وفي شعره ثورتان : إحداهما انتمائية للدولة / الوطن المثال ، والأخرى اجتماعية / احتجاجية .
ونغمتان : تلامس خلايا الجسد والروح .
وأغانٍ تتسلل منها خيوط الحزن والفرح إلى أعماق النفس البشرية .
ذلك لأن عاطفة البدوي هي الناظم العام لأدبياته . وتحدثك عن ابتسامته ودمعته ، شقائه ونعيمه ، حبه واستهجانه) .
الشاعرة صنعت من عالمها الداخلي لوحة تشكيلية ، جمعت بين الماضي الزاهر، والحاضر القاحل ، والقادم الواعد، قائلة بلسان أمها: " إنك تحلمين حلماً مخيفاً ، وقد أيقظتِ أختك بصراخك وبكائك ". ورفضت التضامن المجتمعي السلبي / المناطقي / الشرائحي / الفئوي / اللوني الذي ينمّي النزعات العدوانية / التعصبية / الحقدية / الثأرية ... واعتمدت التضامن المجتمعي الإيجابي / المدني / الوطني الذي ينمي الحس الإنساني / التصالحي / التعايشي / التسامحي /الحقوقي .
وعاشت الشاعرة ثلاثة عهود تاريخية متباينة ، العهد العثماني ، والفرنسي، والوطني ، وبقيت متجذرة ومتماهية بحب الإنسان والطبيعة والوطن . وتجاوزت في أدبياتها الزعامات التقليدية، وانتفاعاتها في التشكيلات الاجتماعية التي لم تصل إلى مواقع الانتماء والولاء للوطن والدولة . لأن الوطن يتحول إلى وسيلة ، والسلطة إلى غاية في فكريات وسلوكيات الزعماء المحليين الذين حولوا السلطة إلى غاية الغايات ، والأوطان إلى مزارع خاصة بهم ، لذا رأت الشاعرة في السلطة الشمولية (عجوزاً مشوهة) متصابية ، وفي طريقها إلى المتحف إلى جانب الفأس والمغزل .
وترفض أدبيات الشاعرة، القوى الطامعة / الظالمة / الأنانية التي توظف العلوم التطبيقية للدمار والوحْشنة والبْرّبرة، بدلاً من الإعمار والأنسنة ، مما جعل مملكة الإنسان تقترب من مملكة الحيوانات المفترسة .
وانتقدت في أدبياتها الدخلاء الأجانب الذين قاموا باســـــتملاك بلاد الشام ، ونهبوا محتوياتها ، واستباحوا حرماتها .
وصانع الكون في أدبياتها يمثل قوة تجريدية لا حسية وعاشت الشاعرة موزعة بين عظمتين : عظمة الله ، وروعة الكون ، ثم حسـمت المسألة قائلة : " الله خالق الكون " .
ولا تميل في أدبياتها إلى المجتمع الركودي ، والحياة الرتيبة ، بل تدعو إلى تحويل الثوابت إلى متحولات ، وتعلقت بخيوط الحـلم ، الذي يحررها من وحدتها ، ويعطيها فسحة من الحرية ، والتفاؤل .
مثّلت فتاة غسان في أدبيات أمامة أحمد ( أنموذجاً رائعاً للتقدم والتربية والتثقيف . وعاشت مشاكل الإنسان والوطن ، بكل ذرة من كيانها . وإنها الشــخصية التي عرفت كيف توازن بين الخاص والعام ، والذات والموضوعي ، وبين الفرد والجماعة ) .
ونشــرت جزءاً من منتوجها الشعري / النثري في مجلات وصحف عديدة في دمشق وبيروت ، في النصف الأول من القرن الفائت .
تحدث عنها الأدباء والنقاد في الصحف والمجلات السورية . وتدعو أدبياتها إلى صناعة الفرح والسرور لتحرير الذات البشـرية من الأوهام المقلقة ، المحزنة التي تعشعش في فكرياتها، وتتمثل في سلوكياتها .
وفي العام الذي حصلت خلاله سـورية على استقلالها ، احتجبت الشاعرة عن عالم الشعر ، وانصرفت إلى المسائل البيتية ، مشكلة أسرة أنموذجية للعِلمنة والأنسنة .
وقبل أن يتحرر جسدها من التاريخ ، بعام واحد ، نشرت لها مجلة صوت العرب قصيدتين : قصيدة وجدانية / عاطفية تعبيرية عن حب عميق لزوج مسافر / مهاجر إلى بلاد الغربة وأخرى وطنية / قوموية والتي حمّلت فيها الغاصب الأجنبي ، والزعامات الأقليمية مسؤولية الظلم الاجتماعي ، وتجزئة بلاد الشام إلى كانتونات هزيلة .
كتبت الشاعرة الناقدة قصائدها على كل أنواع البحور والقوافي ، بلغة محببة إلى فكريات الأدباء ، مستخدمة إيقاعات شعرية انسيابية ، ويبقى (البلبل ينشد قصيدته المطلقة العذبة الرقيقة المتمردة على القوافي والأوزان ) .
تعلقت الشـاعرة بجغرافيـا الريف ومفرداته " الغدير، الجبل، الطير، البشر، الشجر، الربيع ، الطبيعة في الفجر، الشروق والغروب ، تغريد البلابل ، السواقي الجـارية ، الرياح السـارية ، الرياض الزاهية ، صخرة في رابية ، زرقة السماء ، ضوء القمر، ذكريات الطفولة، الحنين إلى الأهل ، أيام الصبا ، خمرة الأحلام والجنة والحقيقة " .
وقرأت الشاعرة أدبيات " طاغور، نهرو، غاندي ، أفلاطون ، الريحاني ، الكواكبي ، جبران ، مي زيادة " .
وأحبت نمطية الحياة الجماعية للرعــاة الأحرار ، ولســكان البيوت الطينية ، والأكـواخ القصبية ، وفضلتها على نمطية الحياة الفردية للبيوت المترفة ، والقصور الخاوية ، المحاطة بالجنائن والأســـوار ، قائلة لأمهـــا : " رأيت الحرية بكوخها ، ورأيت العبودية في واحتها الخضراء" . و (( رب دور فقيرة آهلاتٌ ، وقصور من أهلهنّ خلاءُ )) .
وتكلمت الشاعرة عن الحب الطاهر ـ بلسان الفيلسوف الشاعر ـ الذي يجعل الفكر والشعور البشريين ، راقيين ، ويسمو بارتقاء الإنسان إلى عالم المثل والفضائل ، قائلة :
(( هو نغمة قدسية تدخل على النفس ، فتطهرها من كل دنس ، وتسمو بها إلى عالمٍ نوراني " ما اسماك أيها الحب ... وما أعذب اسمك ... وما أشد جهالة من يدعونك جنوناً ... )) .
وحلمت الشــاعرة أن تتحول بعــد رحيلها إلى زنبقة مزروعة بين الرياض ، والنرجس ، والورد ، والمياه الجارية ، والأقحوان ، وهمسات الأغصان ، ويرفرف في فضائها الرحب ، البلابل والعندليب وبقية الطيور،ومعتبرة ضحايا الحب والعشق والغرام شكلاً من أشكال الاستشهاد .
واعتبرت أدبياتهـا ممالك الطيور والبشــر والحيوانات والنباتات كائنات حيّة ، عليها واجبات ولها حقوق الحياة والرعاية والعافية .
وجمال الصباح في أدبياتها، كان البديل الموضوعي التعويضي عن حبها وغرامها وحنينها إلى الجنس الآخر.
وأمـام عجزهـا عن تحريـر كتـلٍ بشـرية من البؤس والفاقــة والجهل ، وضغوط الغوغاء ، وعدم وجود الإنسان/ المثال / المستوى/المعادل لها ، التجأت إلى أحضان الطبيعة … ورأت في الأديب ، والطبيعة ، رفيقين عاشقين متلازمين لا ينفصلان … وجعلت من الحب الطاهر العذري والفلسفة توأمين متلاصقين منفصلين عن شرور العالم الأرضي ... ومثل الحبّ في أدبياتها نغمة قدسية تسمو بالأديب والفيلسوف من البايلوجيا إلى عالم الأنسنة والنورنة ، متأثرةً بالمدينة الفاضلة التي شيدها أفلاطون في أدبياته وفكرياته.
الشاعرة الناقدة ، السابقة لعصرها ، عبّرت أدبياتها عن شخصية فردانية /تجاوزية/ تفوقية ممثلة أعلى مراحل التسامي والارتقاء، وتعاطي المشاعر والعواطف تجاه ابنتها أسماء .
وترى الشــاعرة أن الشـــاعر والحكيم والمتنور والمتفوق يعيشون الغربة والاغتراب في واقعهم الراكد ، ومجتمعهم الجاهل ، لذا عاشت عالمها الخاص ، ووجــدت في الطبيعة ملاذها الأخير، وأوفى الأصدقاء وأفضل الكائنات ، ومحررة الشعراء الرومانسيين من عزلتهم واغترابهم .
لكن ارتباط الأنا المبدع بالطبيعة ، لا يعوّض عن ارتباط الذات المبدعة بالجنس الآخر، لأن الشرط الأولي للوجود الإنساني ، هو وجوده مع البشر.
وفك الارتباط بالجماعة البشرية ، لا يعوض بالتواصل مع الطبيعة ، بل بالتواصل الإيجابي مع المملكة البشرية ، والذي يمثل تلاقي إشارة وعيين في لحظة تاريخية واحدة .
" والشاعرة/ الناقدة ، أحبت الطبيعة ، والحياة وفتوة الشـباب وذاتها والحرية ... وضحّت بحياتها الخاصة ، تخليداً لشعرها ، وإسعاداً لأسرتها.
وقبل أن تودع ســلمى أختها الشـــاعرة بدقيقتين في مشفى الشامي بالشام ، الوداع الأخير، كانت فتاة غسان تتحدث عن دور الفعل التاريخي للأديب والفنان في تكوين إنسان القيم ، المنتمي إلى الوطن ، والساعي إلى تحقيق غاية نبيلة، لكن العظماء يرحلون مكرهين . وتبقى آثارهم دائمة ، وأفكارهم خالدة . ويمنحوننا دفء الحياة ، وحب الوطن والإنسان .





















فاتن حمامـــة
تأنيس الدراما والحياة

أدوار فاتن حمامه المميزة والفاعلة ، في الدرامــا السينمائية والتيلفزيونية (( أرض الأحلام – صراع في الوادي ـ دعاء الكروان ـ وجه القمر )) صارت مختزنة في ذاكرة الشعب والتاريخ ، وخالدة في الوجدان العربي بعامّه ، والمصري منه بخاصّه .
تربعت على عرش الدرامــا السـينمائية لأكثر من ربع قرن من الزمن . والأدوار التي أوكلت إلى الذين شاركوها في البطولة ، حولتهم إلى نجوميين حقيقيين .
وتنازلت عن عرشها الإمبراطوري السينمائي باختيارها، وهي في قمة نضوجها وفتوتها في ساحة اللهب والاشتعال الدراميين.
واستطاعت أن تحافظ على بريقها ولمعانها ، جسداً وفكراً وقيماً ، رغم مرور الزمن السريع الذي يشبه السيل العارم ، الذي يجرف ما يصادفه دون إظهار أية رحمة أو شفقة .
وقامت بالتوليف بين الفن والحياة، بحيث حافظت على الإبداعين في لحظة تاريخية واحدة .
ووقفت بكل إمكانياتها الأسـلبية/الدرامية/ المادية لدعم المغمورين والمعوزين ، ومشاركتهم في واقعهم وأحلامهم وتطلعاتهم .
ورفضت العنف الدرامي ، والحياتي . ولم تحتج على مظاهر العنف الأهلي منه والرسمي ، الفردي والجماعي ، المنظّم منه والعفوي ، بالمظاهرات والإضرابات والإعتصامات ، وإرسال البرقيات ، بل كانت ترفضه في الدراما وحياتها الخاصة معاً .
ولا تميل مطلقاً إلى إجراء المقابلات والحوارات مع الصحافة والفضائيات التليفزيونية والإذاعات المسموعة . لأنها واثقة من ذاتها ومن نجوميتها المستمرة ، والمختزنة في ذاكرة الشعب والتاريخ .
ويعزى ســـر نجاحها الدرامي / الحياتي إلى محبتها للناس ، ومحبة الآخر لها .
وبقيت فاتن نجمة سينمائية ، ونجمة إنسانية ، ونجمة أسرية/اجتماعية/تربوية/نفسية .
وهي سيدة ناجحة في علاقاتها في الأوساط الأسرية ، الفنية ، الاجتماعية .
أحبت الإنسان ، أي إنسان بغض النظر عن لونه ومعتقده وجنسه . وهي من أنصار الدفاع عن حقوق المواطنة ، والمساءلة ، وقيام مؤسـسات المجتمع المدني ، والمنظمات غير الحكومية /ngo/ .
وتعاطفت مع شيرين الإيرانية الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان ، والطفل والمرأة والحاصلة على جائزة /Noble / للسلام 2003 ، وهذا يؤكد أن المعايشة السلمية بين الثقافات باتت ممكنة ، وان الصدام بات مستبعداً .
وتطالب فاتن بإجراء المقاربة بين الدخولات والثقافات للمعايشة الأهلية بين الأجناس والاثنيات والشعوب ، لاستبعاد الصدام بين الحضارات .
ولا ترى أية قيمة للحرية والديموقراطية في المجتمعات العربية دون تطبيق العدالة ، وتحقيق المقاربة بين الدخولات والثقافات ، وإلا تصبح الحياة مدمرة ومهزلة تاريخية .
ولا ترى أيضاً أية جدوى من توجيه الاحتجاجات على المظاهر الخلاعية والعبثية والانفلاشية والتهريجية ، بل يجب على الدراما والحياة الاحتجاج على الثقافتين ، ثقافة الاستهلاك ، وثقافة العنف .
وتطلب أدبياتهــا من نخب التجديد والتحديث على المستويين الدرامي والحياتي ، ومن كافة المؤسسات الدولية ، الأهلية منها والرسمية ، المساهمة الفعالة بإيقاعات عالية المسـتوى لإســـكات العيارات النارية ، وقذائف المدافع ، وانفجار القنابل ومسلسل التفجيرات ، وأصوات التعصب والكراهية والحقد والثأر، وتجاوز المتخيلة التاريخية الســلبية ، والتحرر من مسلسل العنف في الدراما والحياة معاً ، والتخلّص من أمراض الفراغ والبدانة وهموم الحياة /stress/ ، واعتماد الرياضية العقلية / البدنية ، وموسيقا المزارع التي تنبض بمشاعر الدفء وبالحب وبأصدق المشاعر النبيلة ، وصولاً إلى عالم متوازن في مادياته وإنسانياته ، لكي ينقل الحضارة الحديثة من البعد الواحد إلى الثنائية المادوية/ الإنسانوية .
وتدعو إلى تربية حديثة للأطفال ، مضادة للتربية السائدة ، لأن ألعاب الأطفال الحربية ، وسيناريوهات الرسوم المتحركة القتالية ، والمعارك الحربية الكمبيوترية المفترضة ، تؤدي مجتمعة إلى انتفاخ الشخصية العنفية في مخيلة الأطفال وسلوكهم الأسري / الاجتماعي .
لأن تعميم الرعب والعنف المنظمين ، والتدمير والقتل الدرامي التليفزيوني / الكمبيوتري ، يحوّل الأطفال إلى فوضويين ، ومتحجرين ، ومتبلدين في مشاعرهم ، وأحاسيسهم ، وعدوانيين في ذاكرتهم وحياتهم اليومية .
لذا ، تقدم فاتن مشروعاً تربوياً حديثاً / راقياً لإيقاف زحف موج العنف أكان رسماً ولحناً أم خطاباً وأغنية ولعباً وتمثيلاً وواقعاً .
وهذا يتطلب من الآباء، أباء الأسر والمدارس والمجتمع أكانوا دينيين أم سياسيين أم ماديين أن يبادروا طواعية لتربية أبنائهم تربية إنسانوية لا حربجية وعدوانية ، ضمن خطة تربوية مرسومة ، لوقف استيراد الألعاب الحربية للأطفال ، وسحبها من السوق التجاري الذي لا يرحم الآباء والأجداد .
وترفض فاتـن بقــوة أن يتحـوّل بعض نجوم الملعب الكروي ، والمسرح ، والســينما ، والتليفزيون والغناء ، والجمباز ، والمصارعة الحرة ، والملاكمة، وملكات الجمال إلى أبواق دعاية لشراء الكماليات والضروريات .
المحطات التليفزيونية ، الرسمية والأهلية ، جعلت من المسلسلات الرياضية والفنية والغنائية ، ونشرات الأخبار والحوارات والمناظرات ، وسائل مساعدة لخدمة الإعلان التجاري /BREAK/ الذي يترافق مع الاستراحة في الفضائيات التليفزيونية ، والذي يهدف إلى تحويل رغبات العالم إلى حاجات استهلاكية أساسية .
لذا ، ترى أدبيـــات فاتن ، أنه لا بدّ للنخب البشرية وقواها التاريخية الفاعلة ، أن تستخدم طاقاتها الأسلبية والدرامية والغنائية والمسرحية ، للتحرر من إمبرياليــة الســـلعة والمعلومة التي تكــون مجتمع الربح من أجل الربح ، لا مجتمع الأنسنة.
ويعطي صوت فاتن دفئاً للأحاسيس البشرية ، والمشاعر الإنسانية النبيلة. ويجعلك تحب الأرض والبحر والإنسان . وتعشق الوطن على شكل صبية وقضية .
ومن نظراتها الجذّابة ، وقامتها الباسقة ، ومشيتها الطاووسية ، وحركاتها المعبرة ، وصوتها الدافئ ، وأفكارها النيّرة ، أبدع الرســـامون أعظم اللوحات ، والشعراء أجمل القصائد ، والمخرجون أفضل الأدوار، والعازفون أرقى الألحان !












أحـــلام مســتغانمي
أحلام معطوبة
اندلقت الدماء على أرض الجزائر بين الجزائريين والفرنسيين خلال معارك التحرير، وبين النظام الرسمي الجزائري والسلفية الدينية الجديدة خلال مرحلة الاستقلال.
السلطة التي تلاحق مواطنيها بالضرائب. ويلامسهم الجوع، يشعرون باللامبالاة تجاه ما يجري من حولهم. ويفقدون الشعور بالانتماء الوطني. ويضعف لديهم الحس العام بتحمل مسؤولياتهم التاريخية والأدبية في جغرافية يُغْرقُ نظامها الرسمي بالديون وفوائده المركبة. وينخره الفساد والروتين. وجيوب شعبه فارغة، وحقوق مواطنيه مخترقة!
وكسالى التاريخ أثناء الحرب، صاروا أصحاب الثروة والقرار في مرحلة الاستقلال.
والنشطاء أثناء التحرير، صاروا بؤساء وملاحقين ومبعدين في ظل الحكم الوطني. وأكثرية الشعب ينتظرون مخلّصاً ينقذهم من بؤسهم ويعيد لهم إنسانيتهم.
بدأت أحلام شاعرة، وانتهت روائية وناقدة.
لا تميل مطلقاً إلى الغزل السلطوي والاجتماعي.
أحلام في حياتها اليومية، تبدو امرأة عادية متواضعة، ومحبة للآخرين. وفي نصوصها تبدو شخصية مركبة في تركيب وصناعة أبطالها.
أحبت والدها، والشاعر نزار قباني، والسيد جمال عبد الناصر.
وأحبت دمشق التي احتضنت الأمير عبد القادر الجزائري.
ودخلت دمشق امرأة عادية، وخرجت منها طاووساً.
وتطمح أحــلام في نصوصها وحياتها إلى تحويل الوجـع العربي إلى عافية ، ونقل الإنسان العربي وغيره من التقزّم إلى التعملق ومن التضامن السلبي إلى التضامن الإيجابي.
تقول أحلام: (( حفنة من الكلمات ترفعك أو تودي بك إلى القاع، وقد تحتضنك القصور أو السجون. وأنا انتمي إلى جغرافية يعيش فيها الكتاب إذلالاً يومياً، ربما كان التشرد أقلها إهانة، ويعودون إليه كي يدفنوا أقاربهم، أو ليتفقدوا من بقي منهم على قيد الحياة.
ويعودون متنكرين مرعوبين مختبئين كالفئران في بيوت أقارب آخرين، مذهولين من أمرهم، أكل هذا، لأن في حوزتهم أوراقاً وأقلاماً ؟! )) .
وتهاجم حرّاس الوطن، قائلة : ( كنا نريد وطناً نموت من أجله، فأصبح لنا وطنٌ نموت على يديه ) .
لم تكن أحلام في بداياتها الأدبية ، مهتمة بالثورة الجزائرية، وبثورة المليون شهيد، ولا بالمجاهدين الجزائريين ، ولا بجميلة الجزائرية.
كانت مهتمة بذاتها ، وبوالدها .
كتبت الروايات الثلاث "رواية الجسد، فوضى الحواس، عابر سرير" حباً في والدها الذي عانقه الموت قبل أن تنجز رواية ذاكرة الجسد، لأن والدها هو الذي شجعها على عشق ومحبة اللغة العربية رغم أنه كان يجهل أبجديتها.
أول قصيدة نظمتها أحلام، تمحورت حول الحب. وعندما ألقتها أمام الجمهور، انتقدها بعضهم بشـــدة . لأنها لم تكتب عن الشهادة والشهداء وعن جميلة، والمناضلين في أوراس ، واحمرّ وجهها خجلاً من المنتقدين لها .
وخلّصها والدها من ورطتها ، حيث جعل الجمهور يقف لصالحها .
وأحبت أحلام مدينتها قسنطينه .
واعتبرت الإنسان غاية الغاية ، وأنبل القضايا والنصوص .
ووقفت ضد مقولة الفن للفن ، لأنها تحب الفن الذي يضعها في مواجهة وجودية مع الذات والآخـر. وتضع في مكتبها صورتين محببتين إلى فكرها وقلبها ، هما صورة والدها ، وصورة جمال عبد الناصر.
وقامت أحلام بالتوليف بين البطولتين ، بطولة الأنا الفردي ، والأنا الجماعي، وبين البطولتين العربيتين، القديمة والحديثة، وبين الحب والسياسية.
تكتب أحلام بما يعتريها من خلجات وهواجس ذاتية وطموحات لأنها تكتب لذاتها ، وتعبر عن رغباتها ومشاعرها بصورة صادقة ، وهذا ما جعل نصها دافئاً ومتوتراً ومحبوباً .
وهي جريئة في نصوصها ، ومتواضعة في حياتها وعلاقاتها، لأنها أنثى.
ولأن المجتمع الشرقي لا يزال مجتمعاً ركوديّاً ، يعتقل ذكوره نصف المجتمع من الجنس الآخر، حفاظاً على الشرف البيولوجي العضوي .
القرّاء يقومون بخلط الأوراق بين بطل النص وكاتبه على المستوى الحياتي. وتعطى المشاكسة بين الجنسين، أدباً رفيعاً وراقياً . وتعطى المهادنة مللاً وتفرّخ أطفالاً !
والبطل الروائي أو الحياتي ، الذي اعتمد النظام الخلقي ، خسر مركزه السلطوي /المالي ، وربح مركزه المدني /الإنسانوي .
وأحدثت رواية ذاكرة الجسد، بلبلة في حياة الكاتب والقارئ معاً .
تقول أحلام : (( الرواية رسالة توضح حالتنا النفسية . وإن ذواتنا بحاجة إلى شحن وتجديد مستمرين . ونكتب الروايات لنقتل الأبطال . ولننتهي من الأشخاص الذين أصبح وجودهم عبئاً على حياتنا .
وتكريم الكاتب هو في الســماح لروايته أن تجتــاز الحــدود . وتزيل الحواجر النفســية بيـن الكاتب والسـلطة . وان تقرأ نصوصه وتدرّس في المعاهد والجامعات .
والبكاء على الأديب بعد رحيله، هو نوع من المهزلة التاريخية )) .
حصلت أحــلام على جائزة نجيب محفوظ ، تكريماً لمنتوجها الأدبي ذاكرة الجسد .
وشكل نجاح روايتها أزمة ذاتية وخارجية . وقد أخبرها نزار قباني مسبقاً بالأزمتين معاً .
وأحلام طلقت الشعر مبكراً ، وتزوجت الرواية لاحقاً .
والحاكم تزوج السلطة . وطلّق الديمقراطية ، وحقوق المواطنة والمساءلة. واعتقل المثقف .
(( في نفس اللحظة التي استعد خلالها الشعب الباريسي لاستقبال الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث ، تخلى عنه الشعب لســماع قصائد فكتور هيجو. وانزعج الإمبراطور ، وحقد على الشاعر ، وسجنه عدة مرات ، لأن الشعب أحبه أكثر مما أحب الأمبراطور ، ولأن الشاعر كتب عن البؤساء ، والسلطة تخشى جنازة المثقف ، فكيف وهو لا يزال حياً ؟ )) .
أحلام عصبية ، ونارية ومتمردة ، ورائعة في اندفاعاتها النصية واقتحاماتها الجريئة .
وهي فخورة بانتمائها إلى أمة العرب ، وشرايينها لو قطعت " تنبض وطنية وعروبوية ناصرية " .
أحبت من رجالات التاريخ " جمال عبد الناصر – بومدين – بوضياف " .
وأحلام رأت المبدع يفهم العالم بطريقته الخاصة " همنفواي فهم العالم ، يوم فهم البحر ، والبرتومورافيا يوم فهم الرغبة ، والحلاج يوم فهم الله " وهنري ميلير يوم فهم الجنس ، وبودلير يوم فهم اللعنة والخطيئة ، ونزار قباني يوم فهم المرأة ، وبابلو نيرودا ! يوم فهم الثورة " .
علقت أحـلام على الهـزة الأرضية التي أصابت الجزائـر عام 2003 قائلة : (( إن أمة تبحث عن كرامتها بين الأنقاض ، هي أمة تعيش في ضاحية التاريخ ، تحيط خصرها مدن الفقر والبؤس ، ومحاطة بحزام الزلازل ، في أوطان شيّد معظمها على الغش الانتخابي ، والغش الإيدلوجي ، والغش المصرفي ، والغش الغذائي ، لا نعجب أن تنهار مبانيها ، عند أول هزة في سلم ريختر ؟!! )) .
فأحلام مستغانمي الزوبعة التي عصفت بالتضامن السلبي الماضوي والراهن معاً قرأت أدبيات جزائرية/ عربية /غربية . وشكلت أنموذجاً مستقلاً ومتمايزاً عن الأدبيات الثلاث في لحظة تاريخية واحدة .
أحبّت قرّاءها في العالم العربي بعامّة وفي سورية بخاصّة والتي تقوم بحماية الملكية الفكرية للمبدعين .
ورغم رحيل والدها من التاريخ ، لا زالت أحلام تضع على قبره النسخة الأولى من منتوجها الإبداعي . لأنه الوحيد الذي شجعها على نشر إبداعاتها الشعريّة / الروائيّة مبكراً ، رغم أنه لا يتكلم العربية .
وعندما ترجمت منتوجاتها الأدبية إلى الفرنسية ، حزنت أحلام كثيراً ، لأن والدها رحل من عالمها قبل أن يقرأ رواياتها المترجمة إلى اللغة الفرنسية .
تقول أحلام : " أنا قامة الجزائر، وقامة العروبة " .
تعرفت أحلام على المناضلة جميلة بوحيرد في الطائرة . وحزنت حزناً عميقاً أعاد بذاكرتها إلى مناضلة جزائرية ، أصبحت رمزاً للجزائر، تقطع تذكرة طائرة درجة ثانية ! وأول إنسان ارتسم في مخيلتها وتذكرته على أثر الزلزال المدمر الذي أصاب العاصمة الجزائرية ، هو جميلة بوحيرد .
أول إرباك عاشته أحلام ، هو حضور جميلة محاضرة ألقتها أحلام في العاصمة الجزائرية . (( لو جــاء حكام عرب يسـمعون محاضرتي، لما شكلوا لي ، الإرباك الذي أحدثته جميلة ! )) وأحلام معجبة بـ ( بن بيللا ) الذي عاش متنقلاً لمدة ربع قرن من الزمن من سجون فرنسا الاحتلال /9 سنوات/ إلى سجون جزائر الاستقلال /15 سنة/ .
تقول أحلام : " مأســاة حقيقية زرعت في الثورات العربية ، في العراق وغيره ، لكن في الجزائر " كانت الفاجعة أكبر " .
ولم يسمح لوالدة المناضل بن بيللا رؤية ولدها المعتقل ، وماتت من البرد قبل أن يتحرر ابنها من سجون الاستقلال /الثورية/ الديمقراطية !
أدبيات ذاكرة الجسد / فوضى الحواس/ عابر سرير جعلت أحلام معتقلة ذهنياً ضمن الجزائر، ومتوترة وحاملة للهم الوطني والقوموي .
أحلام التي عاشت الفاجعة ، وأتعبتها مشاكل الجزائر، صممت على التحرر من معتقلها الاختياري . ولم تعد سريعة العطب ، والغضب ، والتوتر لأنها حسمت المسألة . وقررت الانتقال من عالمها الروائي الملتزم بالوطن والثورة والثوار، إلى عالمها الروائي الجديد الملتزم بالحب ، والمطّعم بالسياسة ، والذي يولّف بين القضية والذات .
وأحــلام لا تقرأ. ولا تزور معارض الكتب الدولية . ولا تحضر المؤتمرات /الأدبية / الثقافية ، لأنها مشغولة بقراءة رسائل القراء إليها ، وبإنجاز عمل روائي إبداعي جديد .
وهي أدبية عفوية ، بسيطة ، ساذجة في علاقاتها الحياتية ، لأنها لا تتوقع الشر من أحد ، ولكنها تعيش الكبرياء لا التكبر. وهي ذكية ومركبّة ، وعبقرية في علاقاتها مع أبطالها الروائيين .
رفضت الدعوات الرســـمية التي وجّهت إليها لزيارة العراق أيام حكم صدام ، وبعد سقوط نظامه ، لأنها لا تحب الطغاة ولا الغزاة .
شكل نجاحها السريع والمبكّر ، وتألق نجمها العربي العالمي ، وتسويق منتوجها الفكري ، إزعاجات وكوابيس لأدباء ونقّاد لم يأخذوا مساحة الشهرة التي وصلت إليها أحلام .
فهي تمتلك أخلاقيات الشعر والحب ، لا أخلاقيات شعراء / نقّاد/ مرضى.
لأنها تكتب رواياتها بالزخم التاريخي والفلســفي والشــعري عبر رسائل مشفّرة إلى القارئ لتحريضه على الالتزام بالوطن ، والثورة والعروبة . تقول أحلام : ( الرواية آخر حقيبه لتهريب التاريخ المتآمر عليه والمسكوت عنه عن طريق استعمال الشيفرة الخاصّة CODE) .
شاركت أحلام مستغانمي في معرض فرانكفورت الدولي 2004 ، للكتاب العالمي ، بما فيه الكتاب العربي ، لتعريف الغرب بالثقافة العربية المناهضة للعنف والتطرف ، والداعية للتعايش المشترك بين جميع الثقافات والأجناس . واعتبرت أحلام الحوار المتعلق بمعرض الكتاب ، هو حوار جرى بين العرب أنفسهم . المقيم منهم والمهاجر الملتجئ إلى الحاضنة الألمانية .
أحبُّ اللغات إلى أحلام ، اللغة العربية التي تفخر بها قائلة : " الشهداء في الجزائر سقطوا من أجلها . وأنا متفوقة في محبة اللغة العربية لا في إتقانها . وأنا فخورة بعروبتي . ولا أفتش عن مجدي وشهرتي في البلدان التي تترجم رواياتي ، بل في البلدان التي تتكلم لغة منتوجي الأدبي " .
وتعتبر أحلام ، الجماعات الإسلامية المتطرفة والمتشددة التي تقطع الرؤوس البشرية تحت أية ذريعة ، هو نوع من الوحْشنة والبربرة ، والتربية والثقافة الخاطئتين . لذا تطلب أحلام استبدال ثقافة الموت بثقافة الحياة .
وتنتقد أرستقراطية الصالونات التي يضع أصحابها الكتب في مكتباتهم للزينات لا للقراءة ، رغم أنّه وُزع من رواياتها الثلاث 300.000 نسخة خلال العشر سنوات الماضية .
أحلام خائفة على الجيل العربي الشاب الذي غُيّب وهُمّش .
وبدأ يبتعد عن العلوم الإنسانية التاريخية والشعرية والفلسفية .

قـــراءة نقديــة
روايــــــة (ذاكرة الجسد)
أحـــلام مسـتغانمي
تقول أحلام: " البكاء على الأديب نوع من المهزلة التاريخية ، وتكريم الكاتب ، هو في السماح لروايته أن تجتاز الحدود " .
هل ذاكرة الجسد رواية ؟ أم مقالة ؟ أم خواطر وذكريات وانفعالات ؟ أم خطاب سياسي ؟ أم قراءة نقدية ورؤية فلسفية ؟ .
إنها هذه المواد كلها في لحظة تاريخية واحدة .
بداية الرواية : ملك استملك الجزائر وأمم المال والبشر.
ونهايتها : كاتب امتلك ذاكرة ، ورؤوس أقلام ، ورؤوس أحلام .
بين البداية والنهاية قامت أحلام مستغانمي بصناعة أبطالها من الذاكرة الشعبوية ، والمتخيلة التاريخية ، والواقع المعاش وتجربتها الذاتية . وشكلتهم من طقسها ، الممثل لذاتها ولروحها ولنفسيتها ولمزاجيتها .
نقرأ في الرواية ، وطناَ يطلب من مواطنيه تأدية واجباتهم . ويهمل حقوق المواطنة . ويركّز على الإعلان والاستهلاك والمنفعة .
وطناً معطوباً ، ترك في المعارك ذراعيه ، وفي المدن المعلّبة قلبه .
وطناً من الورق ، ينتج مبررات الموت .
وطناً يطلب تأشيرة خروج سفر جماعية .
وطناً يتماهى في امرأة ، وامرأة تتماهى في وطن ، فهل الوطن هو امرأة؟ أم هل المرأة هي الوطن ؟
في الوطنين ، وطـن الطفـولة ووطـن المنفى ، تعيش الأنوات الاغتراب والاســتلاب . الرجل المحارب القديم المعطوب في المعارك، لاقى احتراماً خلال ســنوات الاستقلال الأولى ، ولكنه لم يعد محترماً في السنوات اللاحقة .
في رواية " ذاكرة الجسد " سيطرت المواقف الانفعالية، انفعالية المؤلف والقارئ وشخوص الرواية .
تكلمت أحلام بصوت الذكر ونيابة عنـه ، وفهمته أكثر مما فهم ذاتـه وواقعه .
نرى أبطال ذاكرة الجسد ، راكدين وديناميين ، أحراراً ومقعدين ، شريرين وخيرين ، متســامحين ومتشــددين ، جسورين وجبناء ، ملتزمين ومنفلشين ، عســكريين ومدنيين ، متفائلين ومتشائمين ، وصوليين وعلمانيين ، ملائكة وشياطين .
وهم أبطال كالشعوب (( نهبتهم الأوهام والأحلام المعلّبة من السعادة المؤجّلة )) .
أبطال الرواية ، لهم ذاكرة حب وكراهية وانتقام .
يمارسون نشـاطاً اقتصادياً مركباً . ويـأخذون الناتج الفائض ، وفائض القيمة ، ولا رادع يردعهم عن تخمتهم السلطوية والمالية .
الوطن في الرواية يدخل سن اليأس الجماعي ، ويعيش مواطنوه الملل والضياع والرتابة .
أبطال رواية ذاكرة الجسد هم واقعيّون ، يصعدون ويهبطون ، ويعشقون الوطن على شكل صبية ، وصفقة ، ومزرعة خاصّة بهم .
وهم متهورون وعقلاء ، ساديون ومعافون ، بسطاء ومركبون . ويمثلون حماقة الشباب والثورات . وهم أبطال ملهاة ومأساة ، ولهم ذاكرة وبعضهم بلا ذاكرة . ويتكلمون العربية والفرنسية . ويصنعون أفكارهم وأحلامهم من الذاكرة والمتخيلة التاريخية . وخلقوا للحياة وللشهادة . وهم جبابرة وأقزام ، أخلاقيون ومكافيلليون ، طيور حرّة ومدجّنة .
في ذاكرة الجسد ، تحترم المرأة كوعاء للجسد لا كوعاء للفكر .
تقول أحلام : (( هات امرأة، وخذ ما تشاء ، إنهن مناضلات ، ولكن بأي عضو على التحديد ناضلن ؟
هذا زمن حقير ، وإذا لم ننحاز إلى القيم سنجد أنفسنا في خانة القاذورات ومزابل التاريخ )) .
أبطال الرواية سعداء بالوهم وبالحقيقة . ويموتون مخيرين أو مكرهين.
وبعد سنوات الاستقلال بقليل ، بدأ وطن الاستقلال يقرّب المعطوبين في وطنيتهم لاستلام مناصب قيادية ، ويبعد المعافين في وطنيتهم عن مراكز السلطة والاحترام .
تقول أحلام : (( المرأة التي هي على شاكلة الوطن ، أحبّها السّرّاق والقراصنة ، وقاطعوا الطريق ، ولم تقطع أيديهم ، ولهم كل شيء ، وحدهم الذين أحبوك دون مقابل ، أصبحوا ذوي عاهات )) .
وفي الرواية يمتزج التخييل بالواقع ، ويصعب الفصل بينهما .
وتشكلت البورجوازية المحلية السلطوية (( من العمولات والصفقات . وتناوب على السلطة السّرّاق كباراً وصغاراً ، على مرأى من الشهداء الذين شاء لهم سوء حظهم أن يكون مقامهم مقابلاً لتلك الخيانة )) .
ومدينة قسنطينة في ذاكرة الجسد ، هي رمز للوطن وللسلطة ، وتتعامل مع أبنائها بالوعود والوعيد ، وتتصرف بحرية مطلقة .
تقول أحلام على لسان بطلتها حياة : (( لا نجــد فرقــاً بين لعنتها ورحمتها ، ولا حاجــزاً بين حبهــا وكراهيتها ، ولا مقاييس معروفة لمنطقها ، تمنح الخلود لمن تشاء ، وتنزل العقاب بمن تشاء .
فمن عساه يحاسبها على جنونها ؟ ومن عســـاه يحسم موقعه منها حباً أو كراهية ، إجراماً أو براءة ؟ )) .
ومدينة قسنطينة تعيش وحيدة ، ومنغلقة على ذاتها ، وســط ثالوثها المقدس " السياسة - الجنس - الدين" الذي يبعد المساءلة .
وأصبح البؤس الثقافي والمادي ظاهـرة عامة ومألوفة في وطن يزحف مبكراً نحو شيخوخته .
في الرواية (( نجد انتصارات فردية وهمية . نحن متعبون .
ولقد تحولنا إلى أمة من النمل ، تبحث عن قوْتِها .
وماذا يفعل الناس ؟ لا شيء ، والبعض ينتظر ، والبعض يسرق ، والبعض الآخر ينتحر .
هذه المدينة قسنطينة ، تقدم لك الاختبارات الثلاثة ، المبررات نفسها والحجة نفسها )) .
وفي رواية ذاكرة الجسد ، نجد وطناً ضائعاً ، وهدفاً غائباً ومغيّباً ، في زمن تفضّل فيه البطاقات على الكفاءات والخبرات وأخلاقيات العمل .
تقول أحلام: (( نحن شـعب نصفه مختلّ ، لا أحـد فينا يدري ما يريد بالضبط ، ولا ماذا ينتظر بالتحديد ؟
وهذا الإحباط العام يفقدك شهية المبادرة والحلم والتخطيط لأي مشروع ، فلا المثقفون سعداء ولا البسطاء ولا الأغنياء . وماذا يمكن أن تفعل بعملك إذا كنت ستنتهي موظفاً يعمل تحت إشراف مدير جاهل ؟ )) .
إن أمّة لا تحترم مواطنيها ومبدعيها ، هي أمة تعيش العطالة ، وسـائرة نحو شيخوختها المبكرة .
في الرواية ، نجد شــخصيات غريبة وبعيدة عن الواقع والمعقول والتصديق ، وفي نفس اللحظة تبدو واقعية وموجودة . ومن الصعب أن نجد بشراً يسلكون مسلكهم في ارتقائهم أو في دونينتهم ، ومع ذلك ينتابك شعوراً بأنك ستجدهم الآن أو غداً .
ونجحت الرواية لأنها مثلت الحلم العربي ، واعتبرت الإنسان غاية الغايات .
وهي حب حقيقي للوطن الحر، وللأم المتحررة الواثقة من ذاتها ، ورفض للسلطة الفردية الاستبدادية ولمخزون التضامن السلبي في الذاكرة الشعبوية .
وتظهر الرواية وجـع الجـزائر وفرحهــا . ويتعانق فيهــا الموت بالحياة ، والإحباط بالتفاؤل ، والخيال بالتصديق ، والرصانة بالتهور، والنمط القديم المتحجّر بالنمط الحديث المتفتح .
والرواية متماسـكة في بنائها المعماري والدلالي . وتنامى السرد الروائي على حساب الحوار الدرامي .
لأن أبطال الرواية ، عاشوا في أماكن جغرافية متباعدة ، وأزمنة متباينة .
وظفت أحلام العلوم الإنسانية لإنجاح منتوجها الروائي الذي صنع على مزاجه أبطالاً أكثر جرأة واقتحاماً من أبطال أحلام في الحياة الواقعية المعاشة.
واستطاعت أحلام مستغانمي من خلال أبطالها ، أن تولّف الأنا الفردي بالأنا الجمعي ، والشخصيات الثانوية بالأساسية ، والهم الفردي بالهم الوطني والقومي ، والنثر الروائي بالشعر .
ورواية ذاكرة الجسد مكتوبة على كل أنواع البحور في أدبيات نزار قباني .
استطاع أبطال الرواية ، خالد الرساّم ، وحياة الكاتبة الروائية ، وزياد أن يعتمدوا حوارات ثقافية / سياسية/ وطنية/ اجتماعية رفيعة المستوى ، مما جعل القارئ يحمــل في جعبته الفكرية شــحنات من العواطف والانفعالات والتوترات ، وكأنه يعيش سيكولوجية الحدث والهدف معاً .
ولا ترى البطلة حياة فارقاً بين السلطة القاتلة :
الفرنسّيون قتلوا حسان .
الجزائريون قتلوا سي طاهر .
الإسرائيليون قتلوا زياد .
في الخاتمة ، تعتمد حياة ، بطلة الرواية المركزية ، زوارق الغربة ، والصمت .
وتهجر الوطن ، حاملة معها ذاكرتها وأحلامها .
قـراءة نقدية
رواية: عابر سـرير
منتوج : أحلام مستغانمي
الإنسان المنتصب في قامته، وكفاحه، وأخلاقه، ووعيه تراه أحلام مستغانمي في والدها المثال الذي رسم لها طريق الفلاح في رواياتها الثلاث / ذاكرة الجسد 1993 ، فوضى الحواس 1998 ، عابر سرير 2003/ .
الفارق الزمني بين نشر رواية وأخرى يعادل نصف عقد من الزمن ، في مدن تقتل أبنـاءها الذين يمتهنون عشــــق أنثاهم ووطنهم ، وأخرى تمتهن حراسة العشاق .
أحلام ، مركبة في رواياتها ، واختراع أبطالها ، وبسـيطة عفوية ، صادقة في تواصلها الإنساني مع الآخرين .
تطمح أحلام في رواياتها إلى تحرير أبطالها من الخوف بطرق مستورة /فنية معتمدة الجعب / الذاكرة / الحقائب النسائية المليئة بالروايات ، والتي تضلل الرقيب الرسمي أكثر من حقائب البؤساء من المغتربين .
ويبقى بطلها الروائي / سارقاً بامتياز، وسارقاً محترماً / .
تقول أحلام على لسان المصور : (( كانت القرى الجزائرية تغريني بتصويرها ، ربما لأن لها مخزوناً عاطفياً في ذاكرتي، فقد كنت أزورها في مواكب الفرح الطلابي في السبعينات ، مع قوافل الحافلات الجامعية ، للاحتفال بافتتاح قرية يتم تدشينها غالباً بحضور رسمي لرئيس الدولة ، ضمن مشروع ألف قرية اشتراكية .
لقد مضى آلاف الشـباب من جيلي ، خدمتهم العسكرية في بناء السد الأخضر، لحماية الجزائر من التصحّر.
كان الشعار الذي يطاردك في كل مكان آنذاك ، الجزائري يتقدم والصحراء تتراجع .
كان لنا أحلام رمال ذهبية تسربت من أصابع الوطن إلى جيوب الذين كانوا يبتلعون البلاد ، ويتقدمون أسرع من لهاث الصحراء .
إنها خدعة التائه بين كثبان وطن من الرمال المتحركة ، لا يعول على وتد يدق فيه ، ولا على واحة تلوح منه ! .
كنّا نصدر الثورة والأحلام لأناس مازالوا منبهرين بشعب أعزل ، ركعت أمامه فرنسا… وأصبحنا نصدّر الإرهاب / الموت / الفقر.
ويبدو أن الجزائري الذي يعيش جدليـة تدمير الـذات ، هو مبرمج لإبادة نفسه ، والتنكيل بها .
نحن من تسلق جبال الوهم ، وحمل أحلامه … شعاراته … مشاريعه… كتاباته ، لوحاته ، وصعد بها لاهثاً حتى القمة ، كيف تدحرجنا جيلاً بعد آخر نحو منحدرات الهزائم ؟.
والمقاوم الجزائري للاحتلال الفرنسي ، والذي أصبح شهيداً يقوم الإرهابيون بقتل ابنه . وتهديه الجزائر جثمان ابنه … أي وطن هذا ؟!
وبعد استقلال الجزائر خرج بن بيللا زعيماً من سجن العدو الفرنسي ، ليجد معتقلات وطنه مشرعة في انتظاره سبع عشرة سنة أخرى . وكان عليه أن ينتظر خمس عشرة سنة لتفتح له الزنزانة على مضض . ويطير كعصفور مكسور الجناح ليحط على قبر والدته التي ماتت حزناً عليه .
ومحمد بوضياف الـذي جبلته السـجون والمنافي وخيانات الرفاق ، على هزاله ، ما كان يصلح لإبرام صفقة فوق الجثث ، فحولوه إلى جثّة )).
تقول أحلام عن والدها : (( أجمـل روايــات بلـزاك التي لــم يقرأها أحد ، وابتكرها من أجل امرأة ما عادت هنا لتحكيها .
ربما لهذا ، أكتب هذا الكتاب من أجل الشخص الوحيد الذي لم يعد بإمكانه أن يقرأه ، ذلك الذي ما بقي منه إلاّ ساعة أنا معصمها ، وقصة أنا قلمها. ومنه تعلمت أن أشلاء الأشياء أكثر إيلاماً من جثث أصحابها .
أستمع دون تعب إلى حواراتنا المحفوظة إلى الأبد في الأشرطة ، إلى تهكمه الصامت بين الجمل . صوته ! يا إله الكائنات ، كيف أخذتْهُ وتركت صوته ؟ حتى لكأنّ شيئاً منه لم يمت .
ضحكته تلك . كيف ترد عنك أذى القدر عندها تتزامن فاجعتــان ؟ اضحك يا رجل ، الموت يمازحك مادام يخطئك كل مرّة ليصيب غيرك ! )) (المصور).
الصحفي عبد الحق ، يهدي زميله المصور الصحفي كتاباً للسيدة حياة التي فهمت نفسـية الرجال وأنها جمعت بين أنوثة المرأة ، والأنسنة ، وإبداعاتها الأدبية ، وجرأتها في قول الحقيقة .
وأهدت قوى مقاومة الشغب ، المصور رصاصتين في ذراعه .
لأنه التقط صوراً للمتظاهرين الجزائريين خلال أحداث أكتوبر 1988.
أبطالهــا في الرواية لا يولدون مقلوبين / معكوسين / وحشيين بالفطرة ، بل هم ولادة ونتاج الظروف التاريخية .
في أدبيات أحلام ، الأموات الذين كانوا فاعلين وهم أحياء ، نحتفظ بهم في ذاكرتنا .
والأموات الذيـن كانوا منفعلين ومغيبين ومهمّشين وهم أحياء ، نواريهم في مقبرة الذاكرة.
والبطل المعطوب في تفكيره ، يتساوى عنده الموت مع الحياة . والسليم يرفض المفاهيم السائدة / الراكدة / المألوفة .
وتحت تأثيرات الضغوط الاجتماعية / السياسية/ السلطوية ، يجد ذاته مضطراً إلى الترحال ، والالتجاء إلى إحدى الحاضنات الأوروبية .
وفي نهاية رحلته الاغترابية / الســياحية ، يعود إلى وطنه ، محمولاً على نعشه . عنوان رواية / عابر سـرير / مستوحىً من ذاكرة والدها ، ووجدانه، ووطنيته، القائل : (( لا أحب مضاجعه الموت في ســرير، فقد قصدت السرير دوماً لمنازله الحب ، تمجيداً مني للحياة )) (المصور) .
تعتمد أحلام في روايتها ، المونولوجيا التقريرية .
(( كيف تقاوم شهوة التلصص على امرأة ، تبدو كأنها لا تشـعر بوجودك في غرفتها ، مشغولة عنك بترتيب ذاكرتها ؟
لكأنها كانت تكتب لتردي أحداً قتيلاً . كانت تملك القدرة النادرة على دفن قارئ أوجده فضوله في جنازة غيره ، كل ذلك يحدث أثناء انشغالها بتنظيف سلاح الكلمات !
ولماذا خُلقت الروايات ؟
لإجهاض كل حمل كاذب من خارج رحم المنطق . ولحاجتنا إلى مقبرة تنام فيها أحلامنا المدفونة .
أليس من سخرية القدر ، أن تضم المقابر تحت رخامها الأحياء ، وتترك أموات الأموات يمشون ، ويجيئون في شوارع حياتنا ؟! أليست كارثة أن ضمير الإنسان المعاصر يستيقظ عندما يرى جثة كلب، يذكّره بكلبه ، ولا يبدو مهتماً بجثة إنسان آخر، لا يرى شبهاً له ولا قرابة معه ، لأنه من عالم يراه مختلفاً ، ومتخلفاً عن عالمه ، عالم جثث تقاتل ؟!
ولماذا مملكة القطط ، تبدو أكثر رحمة وأمومة من مملكة الإنسان الذي يقيم الثورات ، ويؤسس الأوطان ؟!
وكيف لا تقبل قطة ، مهما كثر صغارها ، أن يبتعد أحدهم عنها ، ولا ترتاح حتى ترضعهم وتجمعهم حولها ، بينما يرمي وطن أولاده إلى المنافي والشتات غير معني بأمرهم ؟
وهل في طمس أوســاخها تحت التراب ، هي أكثر حياء من رجال يعرضون دون خجل ، عار بطونهم المنتفخة بخميرة المال المنهوب ؟
اضحك يا إنسان ، فالموت يمازحك ما دام يخطئك كل مرة ليصيب غيرك! (المصور) .. في عالم يستوحش فيه الإنسان ، ويؤنس فيه الحيوان .
لأن المواطن العربي لم يحصل على حقوق المواطنة التي حصل عليها المواطن الغربي، الذي أصبح أكثر شفقة على الحيوان منه على الإنسان )) .
وصورة جثة الكلب التي حصلت على الجائزة (( هي شهادة عن وفاة الثورة الجزائرية ، متمثلة في وحدة مصير الإنسان والكلاب معاً بعد سـبع سنوات من النضال ، وأربعين سنة من الاستقلال . وشكلت راحة نفسية للضمير الفرنسي وتشفّ مستتر )) من المقاوم / المقاتل الجزائري الذي كان يمثّل ضمير الأمة ووجدانها .
في جزائر الثورة ، وأقطار عربية أخرى مماثلة ، تنامى التنوير الكفاحي على حساب التنوير الفكري . وانتصرت الطلقات النارية التحررية . وأخرست الطلقات الفكرية .
ويختزل المجتمع والثورة والحزب والطبقة والسلطة في قائد عسـكري تاريخي ، تسنم السلطة بالقوة التاريخية ، وقام باعتقال ابن بيلّه ، وسجنه .
المرض أقعد الكولونيل المخلّص ، بومدين وأماته 1978.
كان الكولونيل نزيهاً في أدبيات أحـــلام ، لكنه جرَّ البلاد إلى حروب أهلية دموية.
(( على يديـه ولدت مؤسسات الجزائر، وأحلامها الكبرى ، الذي كان لنزاهته ، لا يمتلك حتى بيتاً ، ولا عرفنا له أهلاً ، أو قريباً ولكنه ترك لنا أجهزة وصيارفة تربّت تحت برنسة سيتكفلون بقمع أحلامنا ، وإفقارنا ورهن مستقبلنا لعدة أجيال ، ورحل مودعاً بجداول الدموع التي لم يدر أنها ستتحول بعده إلى أنهار دماء )) . (المصور)
ويقع المواطن الجزائري الضحية الأولى للحواجز الثابتة / الطيارة .
فإذا أبرز هويته الحقيقية قتلته جماعة الحواجز الإرهابية المزورة / المنتحلة شخصية السلطة . وإذا لم يبرز هويته الحقيقية قتلته جماعة الحواجز الأمنية السلطوية / الحقيقية .
وتتحول القرى النائية (( عند أقدام الجبال ، وعلى مشـارف الغابات والأدغال ، إلى مجازر ومقابر ، ويصبح للموت مراتب ، وللجثث درجات .
وتصدر الفتاوى الدينية التي تبشّر المجاهدين بمزيد من الثواب ، إن هم استعملوا السلاح الأبيض من فؤوس وسيوف وسواطير لقطع الرؤوس ، وبقر البطون ، وتقطيع الرضع إرباً )) . ( المصور)
الإرهابيون يقطعون الرؤوس البشرية الجزائرية .
والخنازير البرية تقطع أرزاق من بقي منهم حيّاً .
والسلطة الشمولية تعتقل الكلمات والذاكرة والتخييل !
والغابة، الضحية الثانية ، ضحية المحتلين الفرنسيين ، والاستقلاليين ، حيث أُحرقت من قبل الفرنسيين لتصفية المقاومين . واحرقها الاستقلاليون لتصفية جيوب الأصولية الدينية / المتطرفة / المتشددة ، حتى لا تترك لأنصارها ملاذات آمنة . وفي كل حرب (( أثناء تصفية حساب بين جيلين بين البشر، يموت جيل من الأشجار )) .
الرواية، كاميرا سينمائية ، وصحفية ، تصور الحروب الدموية /الأهلية/ المأساوية ، وأعماق النفس البشرية ، وهمومها وطموحاتها .
والحروب أكانت نبيلة في وسائلها وغاياتها أم شيطانية، تتحول إلى حرب بين الصور، حرب بين المشاهير، الذين يصورون المسيلات الدموية ، للحصول على جائزة الصورة الأكثر غرابة وإدهاشاً ومأساة !
(( في صـــور الحروب التي أصبحت حرب صور ، ثمة من يثرى بصورة ، وثمة من يدفع حياته ثمناً لها ، وحدها صورة الحاكم الذي لا يمل من صورته ، تمنحك راحة البال ، إن كان لك شرف مطاردته يومياً في تنقلاته لالتقاطها . لكنك متورط في المأساة )) . (المصور)
والمصور الذي التقط صور الخراب والدمار، ومسيلات الدماء سعياً وراء الشهرة ، وصولاً إلى حصوله على الجائزة ، سرعان ما يفقد بالتقادم شعوره الإنسانوي . ويصبح تصوير الأعضاء البشرية / الحيوانية المتناثرة ، ومسيلات الدماء ، والمذابح والمقابر مزروعة في خلاياه / ذاكرته/ تفكيره ، حفاظاً على شرف وأخلاقية المهنة / الشهرة/ الجائزة .
وتتواجد الواقعيات الفوتوغرافية /السيكولوجية/ الدلالية ، إلى جانب البطون الفارغة والمنتفخة ، في ظل نظام شمولي مطلق ، ومعارضة استبدادية /دموية/ إرهابية لا أحد منها يرحم حق الحياة ، والمواطنة للوطن وللمواطن .
في رواية / عابر سرير/ تنتقل مدينة قسنطينه بذاكرتها وتاريخها وألبستها وأطعمتها وجسورها وأخلاقيتها وأبوابها العتيقة إلى فرنسا ، لتصبح حياً شرقياً مختلفاً عن أحياء باريس الراقية .
وفي عام 1961 قام الجزائريون في باريس بمظاهرات سلمية ، يطالبون (( برفع حظر التجول المفروض على الجزائريين في مدينة قسنطينة وغيرها.
ويلقي البوليس الفرنسي بالعشرات منهم مؤْثوقي الأطراف في نهر السين.
مات الكثيرون منهم غرقاً .
يبدو أن قوى حفظ النظام، والمقاومة للشغب ، هي القوى ذاتها في كل زمان ومكان، وفي الشمال والجنوب ، وبدرجات متفاوتة / متقاربة .
ويتعمّد الفنان زيّان في لوحة الأحذية ، وضعك أمام أحذية أكثر بؤساً من أصحابها ، مهملة كأقدارهم . إنها ســيرة حيــاة الأفراد التي تروي بأسمالها ، سيرة حياة أصحابها الغرقى في نهر السين )) . (المصور)
(( الإرهاب المتبادل بين المعارضة والشرعية جعل عشرات الكتاب والسينمائيين والرسامين والمسرحيين والأطباء والباحثين والصحفيين يهاجرون / يرتحلون / يلتجئون إلى باريس ويؤسسـون جمعيات لمساعدة ما تبقى في الجزائر من مثقفين على قيد الموت في قبضة الإرهاب)) . (المصور)
وأبطال رواية /عابر سرير/ ليسوا غرباء ، بل هم يتواجدون في كل مكان وزمان . حوصروا بين نارين : نار الاستبداد السياسي ، ونار الإرهاب الديني.
مراد : المثقف قدم من قسنطينه إلى باريس ، هرباً من الإرهاب الديني الذي أفتي بسفك دمه ، لأنه يساري .
والاستبداد السياسي أصدر حكماً غيابياً عليه بالسجن، بتهمة انتمائه إلى الجماعات الإسلامية !
(( ولم يكن يدري أن شــبكة العنكبوت التي حاكتها مافيا اللصوصية المهيبة ، الموشّحة بالنياشين والنجوم ، ستنسج حوله تهماً كافيةً للحكم عليه بالموت .
وبعد موجة اغتيالات الصحفيين التي قطفت حياة سبعين صحفياً ، منهم عبد الحـق ، خصصت الدولة لهم منتجعاً على الشاطئ كمحمية أمنية ، تأوي ما بقي من سلالتهم المهددة بالانقراض .
ويتحول مراد من محميّ من قبل السلطة ، إلى طريدتها )) .
ويقتلون أخته المعلمة .
والتعارف الذي تم بين فرانسواز والمصور، تحوّل إلى علاقة صداقة حميمية بينهما .
واتفق الاثنان على افتتاح معرض الرسام زيّان . والرسام ذاته لم يحضر حفل زفاف لوحاته .
لذا قرر المصور الذي تقمّص شخصية الرسام خالد بن طوبال ، مطاردة طيف زيّان الذي هو خالد بن طوبال الحقيقي .
ويستجيب المصور لعرض فرانسواز في استضافته مؤقتاً في الغرفة التي كان يشغلها زيّان في شقتها على جسر ميرابو (نهر السين) .
الكتّاب في رواية /عابر سرير/ يجيدون فن الحوار، لدفع الأذى عنهم .
والرسامون لا يجيدون فن الحوار والكلام " إنهم موسيقيون صامتون " .
البطل السجين في الرواية والحياة ، يفقد زوجته ، انتمـاءه ، فحولته البايلوجية ، ويصاب بالعنة الجنسية (( وأثناء تحسسه لجسد الحرية ، ارتطم بعنة عبوديته ، مكتشفاً أنه ما عاد قادراً على معاشرة أحلام لا تمت إلى جسده بصلة … وينفصل الزوج عن زوجته بعد أن أخفقت الحياة في ترميم ما ألحقته المعتقلات في عطب بحبهما )) .
وبالوعة نهر السين لا تفرق بين الأجناس والهويات (( ولا يمكن لمياهه أن تمييز بين جثث الفرنسـيين الذين ألقوا سنة 1789 إلى هذا النهر باسـم الثورة ، وجثث الجزائريين الذين ألقوا إليه على مسافة قرنين بتهمتها )) .
زيّان : الرســام الذي بترت ذراعه في حروب التحرير الجزائرية ضد فرنسا ، يأتي بعد الاستقلال إلى فرنسا لاجئاً سياسياً ، قائلاً (( الثورة تخطط لها الأقدار ، وينفذها الأغبياء الذين لن يأتي على ذكرهم أحد ، ويجني ثمارها السراق )) .
وتبقى الغربة ملازمة للملتجئين إلى الحاضنات الأوروبية ، وترافقهم في وطن الذاكرة ، ووطن المنفى الاختياري .
كان زيّان صديق الجميع ، ويقدم لهم المساعدات المادية ، والإضاءات الأدبية /الفنية/ الفكرية . ويقدمون له الإساءات .
ولم يكن لديه صديق في حياته .
أبطال الرواية ينتقلون من الجزائر إلى فرنسا . ويغيرون أدوارهم ، فيتحول المصور إلى بطل في رواية ، أو في فيلم ســينمائي . وتأتي المحصلة كوميدية/ تراجيدية .
وقسنطينة (( تبعثر أبناءها ، ويتواعدون ، ويلتقون في ضواحي الخوف الباريسي ، وعواصم الحزن والغربة … الشــهيد عبد المولى يورّث ابنه ناصر ، الاسم . وأب مات على سريره ، وجعل الوطن ملكاً عقارياً لأولاده .
وأدار البلاد كما يدير مزرعة عائلة ترّبي في خرائبها القتلة ، بينما يتشرد شرفاء الوطن في المنافي )) . (المصور)
وأبطال الرواية مشغولون بالمعارض التشكيلية ، وبالأنشطة الموسيقية /الغنائية/ التي تجعل المغتربين يشعرون بالحنين إلى مدينتهم قسنطينه .
ويهود قسنطينه (ريمون- سيمون) براهام ينتجون في فرنسا معظم هذه الأشرطة . ورسام تجريدي (( يهودي قسنطيني مات في الستينات… اشتهر بولعه بقسنطينه ، وبسجنه أكثر من مرة بسبب مساندته للحركات التحررية )) ويتعرض الإنسان العربي الأسمر إلى إهانات في المطارات الأوروبية ، ولكن لا خوف على حياة الفرد ما دام بريئاً (مراد) .
في الوطن الجزائري يتعرضون للملاحقات والاعتقالات ، وحتى البريء منهم لا يضمن سلامته (مراد) . والمغترب / الملتجئ إلى الحاضنات الأوروبية يموت على الإيقاع البطيء / البطيء بسبب لونه واسمه .
في الجزائر ، يموت الإنسـان المشاغب على الإيقاع السريع / السريع (ناصر) . ويبقى الموروث الاستبدادي قاسماً مشتركاً بين المعارضة والشرعية. البعض يتناول الكحول والوجبات الأوروبية السريعة (مراد) . وآخرون يرفضون تناول الكحول ، والوجبات الأوروبية . وتبقى الوجبة الجزائرية الأساسية ، رأس خروف (ناصر) .
ولا توجد علاقة جينية بين قطع الرؤوس البشرية، وأكل الرؤوس الحيوانية.
وكان الخوف ملازماً للجميع (( فلا الشهداء هنئوا بموتهم ، ولا الأحياء منهم نعموا بالحياة )) .
في الرواية ، البكاء والحزن مسموحان ، والضحك والفرح ممنوعان أمام الحاكم الاستبدادي بزي أفغاني أو خاكي .
(( لأن الديكتاتور يجد دائماً في فرح الرعية ، خرقاً لقوانين القهر، وتعدياً على مؤسسة العنف ، إن لم يرتبط فرحهم بعيد ميلاده أو ذكرى وصوله إلى الحكم )) . (مراد)
والقاسم المشترك بين خالد بن طوبال ، أكان الاسم مستعاراً أم حقيقياً ، جعل المصور يعتمد المونولوجيا ، وتأنيب الذات للذات (( أكان زيّان يعلم أنه أهداني بيته ، نساءه ، أشياءه ؟
واساكن صديقته فرانسواز ؟
وأنني التقيت بحياة واصطحبتها إلى هذا البيت ؟
وأنني لم ازره ذلك اليوم لأنني كنت على موعد معها ؟
وأنها كانت ترقص معي في لحظة كان يحتضر؟
وهل اختار توقيت موته ؟
لقد استطاع زيّان أن يموت في أول نوفمبر بالذات ، تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية التي كان أحد رجالها )) .
هذا يقودنا إلى استنتاج مفاده ، هو أن الأحلام الرومانسية المشتركة بين الرسام ، والثورة ماتت في لحظة تاريخية واحدة .
المجاهد الذي خاض معارك فعليــة ضد الاستــعمار، والمؤسـسة الزوجية ، أوصله عشقه للحرية إلى الإعجاب بالنساء المتحررات . وحمّل ذاته مسؤولية الدفاع عن نساء العالم ، وجياع الأرض ، وعن كل المظلومين والمستعمَرين في كل زمان ومكان .
الرسامون العرب في الرواية تعرضوا لمأساتين: مأساة حياتهم في المعتقلات والاغترابات ، ومأساة لوحاتهم التي التهمتها النبران ، أو تحولت إلى غنائم حرب عندما قام صدام باحتلال الكويت وتختفي أخبارها مع المختفين والمخطوفين ، (( ربمــا تكون أعدمت نيابة عن صاحبها المحكوم عليه بالإعدام ، أو ربما تكون زينت قصور الطغاة أنفسهم ، أو قد بيعت بسعر زهيد إلى سوق الخردة لإذلال وإهانة الرسام ذاته )) .
والإنسان الزوربي يختار امراة الحلم / فينوس لا امرأة الواقع (فرانسواز)
(( أريد امرأة شبيهة فينوس في انزلاق نصف ثوبها ، اكســـــو نصفها ، أو أعرّي نصفها الآخر حسب رغبتي .
امرأة نصفها طاهر، ونصفها عاهر، في كل نصف فيها كنت أقيس رجولتي… فرانسواز بهذا المقياس كانت اختياراً سيئاً للرجولة … وانتهى فعل الحب معها.
وها أنا أرتعد عارياً كجــذع شـجرة جرداء … لا أكثر كآبة من فعل حب لا حب فيه ، بعده تعتريك رغبة ملّحة في البكاء ، وأنت لســـت حزيناً من أجلها ، بل من أجلك ، بعد تلك المتعة تشعر فجأة بالخواء .
فينوس تمثل بهجة الحياة … الأنثى الأشــهر والأشهى والتي لم تتلوث برجل ، بل تبقى أنثى بشهوات مترفّعة )) . (المصور)
أبطال الرواية في معظمهم، رفضوا نظام المؤسسات الزوجية والدينية والشمولية . وتزوجوا الكتب والقضية والأحلام الرومانسية .
واعتقلوا في سجون جزائر الاحتلال ، وجزائر الاستقلال .
ومنعوا من دخول وطنهم وهم أحياء .
ولم يستطع الإمام الغزالي ، ولا السلطة السياسية / الشمولية إسكات الصوت الحر والجريء ، للسيد كاتب ياسين في حياته ورحيله .
" كان جثمانه أول من أدخـل الفوضى والديمقراطيــة والزغاريد إلى المقابر، كما أدخلها قبل ذلك إلى المعتقلات والسجون " .
والرواية مزدحمة خارج أبطالهــا بمجموعة من الأسماء العربية /الإسلامية/ الأجنبية ، والرموز الأدبية /الفنية/ العلمية/ الفكرية ، والشخصيات التاريخية الأنثوية/ الذكورية/ السلطوية ، الإقليمية منها والعالمية .
وأضافت أحلام إلى قاموسها الروائي حشداً من المصطلحات التجريدية المعبرة عن وهج فكري ، ومخزون ثقافي ، وبُعْدٍ في صور مفرداتها ودلالاتها (( التصحرات العاطفية/ الديمقراطية/ الأخلاقية – طاولات تحتسي الضجر المسائي- تشرد اللوحات والعواطف – بسـاتين الخوف والفرح- تحنيط الزمن- تنظيف سلاح الكلمات )) .
الأبطال الذين نجوا من الموت في رواية / ذاكرة الجسد/ عبروا بأمان وسلام إلى الشاطئ الآخر، إلى رواية /عابر سرير/.
ومعارض اللوحات ، والأشرطة الموسيقية/ الغنائية ، فهما يؤسسان شبكة من العلاقات بين الأبطال الأساسيين والثانويين في رواية / عابر سرير/.
ناصر بن الشهيد عبد المولى ، ترك له والده الشهيد اسمه فقط .
وآباء آخرون لم يشتركوا في حروب التحرير، تركوا لأبنائهم ملكية الوطن وتأميم وتدجين البشر.
وبقي ناصر في وطن الطفولة ووطن الغربة ، محباً لوطنه ، ومؤدياً لواجباته الدينية ، وأخلاقياً في سلوكه .
ولم يكن من جماعة أهل النقل واللحى والملاية ، وعبادة المال .
ولم يستخدم اللحية، عدة تنكرية (( كتلك اللحية التي حكمتنا في السبعينات ))
رغم أنه اتهم بانتمائه إلى جماعة إسلامية مسلّحة. وحصل على حق اللجوء السياسي بألمانيا.
في أدبيات أحلام " النساء اللائي يلبسن ملايات لسن فوق الشبهات "
فرانسواز: تعمل موديلاً في معهد الفنون الجميلة " لا يملكها رسام ، كأنها أنثى لكل فرشاة ".
ونذرت نفسها (( لمساعدة بؤساء البشرية الذين يتناوبون على قلبها وســريرها... حتى أن معاشــرتها لـ (زيّان) تدخل ضمن نشاطاتها الخيرية )) . (المصور)
وكان فيها (( شيء من الطيبة الممزوجة بســذاجة الغربيين في التعامل مع الآخـر، ويتحكــم فيهــا منطـق إعلامي ، يقسم العالم إلى خير وشرير، وحضاري ومتخلف )) .
ومثل بيتها في باريس محطة استراحة للذين أتعبتهم ملاحقة ومطاردة الاستبداديين والإرهابيين لهم في قسنطينة وغيرها.
والثلاثة ، زيّان ، مراد ، المصوّر عاشوا في بيت فرانســواز عابرين سريرها ، منفردين لا مجتمعين .
وكانت ممتلكات الأدباء ، والرسامين الراحلين ، المادية ، منها والفكرية في أدبيات فرانسواز، تلقى في صناديق القمامة ، أو تهدى للجمعيات الخيرية .
لأنها تريد ذاكرة بيضاء ... والشرقي الحالم في أدبيات أحلام يطمح إلى تحرير ذاكرته المحشوة بغبار التاريخ الذي لحق بها (( وإلى جمع ذاكرته في صرّة، ووضعها عند الباب كي يتخلص من حمولتها )) . (المصور)
المصور: الذي تقمص شخصية الرسام خالد بن طوبال ، حفاظاً على حياته الشخصية المهددة بالقتل من قبل الإرهابيين. هو البطل الرئيس في الرواية .
تزوج الجزائر ، جزائر المرأة ، وجزائر القضية .
وعاش أفراحهمـا وأحزانهما ، انتصاراتهما وهزائمهما ، مرضهما وعافيتهما، واقعهما وأحلامهما ، استعمارهما واستقلالهما.
واختار أنثى الحلم / فينوس/ لا أنثى الواقع / فرانسواز/.
وجاء إلى باريس لاستلام الجائزة ، فاستلم لوحة ، وجثماناً .
الكاتبة حياة : عاشت الحياة .
وهي أنثى تتقمص العفة والفسق ، البراءة والشيطنة ، الوفاء والغدر. وترقص حافية الشهوات والأحذية . ولم تكن " الأجمل، بل كانت الأشهى ، كانت الأبهى"
ولم تبح يوماً بحبها لخالد بن طوبال ، ولا لزياد في رواية ذاكرة الجسد .
(( وخسرها خالد في الماضي لفرط إخلاصه لها ، ثم أصبح جديراً بغيرتها مذ تلقفته فرانسواز )) .
وحياة تذهب إلى الحب (( بعدّة ساحر، وتشطرك في استعراض سحري إلى اثنين : هو أنت ، والآخر نسـخة من رجل آخر، ثم تعيد إلصاق جزأيك في كتاب .
ساحرة ! لا تدري أخرجت من بين يديها ثرياً أم فقيراً ؟
أخرجت من قبضة خدعتها حمامة بيضاء، أم أرنباً مذعوراً، أم مناديل ملونة للدموع ؟ )) . (المصور)
وحياة الجزائر/ المرأة التي تزوجها أحد القراصنة الأثرياء ، لم تعد هي الجزائر / القضية التي حلم بها الجزائريون ، وقدموا من أجلها التضحيات !
وتبقى حياة (( نجمة المرأة المعشـوقة ، المشـتهاة المقدسـة ، المـرأة الجرح ، الفاجعة الظالمة / المظلومة ، المغتصبة/ المتوحشة/ الوفية/ الخائنة/ العذراء بعد كل اغتصاب ابنة النسـر الأبيض والأسـود التي يقتتل الجميع بسببها ، ولكنهم لا يجتمعون إلا حولها.
هي الأم التي تخلت عنك . هي المرأة التي ولـد حيهـا متداخــلاً مع الوطـن ، متزامنــاً مــع فجائعــه ، حتى كأنها ما كانت يوماً سوى الجزائر )) . (المصور)
الرســام زيّان ، الذي بترت ذراعه ، وجد ذاته وحيداً ، لا حبيب معه وقريب ، ولا لوحة ووطن .
وهو الرسام الحقيقي خالد بن طوبال الذي أماتته الكاتبة حياة في روايتها، لكنه ظل على قيد الحياة .
وعاش الرسام الفجائعية : الإرهابيون قتلوا ابن أخيه سليم .
وابن أخيه الآخر التحق بصفوف الإرهابيين ومات . وأخوه الوحيد، اغتيل في أحداث 1988.
وزيّان ، الذي فقد اسمه الحقيقي ، وذراعه وريع لوحاته ، مات في المشفى الباريسي وحيداً مصاباً بمرض السرطان .
ولولا لوحته التي كانت بحوزة صديقه المصور ، والتي اشتراها بعد موته بأيام أحد الأثرياء الفرنسيين ، لما استطاع المصور ، نقل جثمان زيّان عبر الطائرة الباريسية التي هبطت في مطار محمد بو ضياف- قسنطينه .
زيّان ، المحارب الذي فقد ذراعه في حرب الاستقلال الجزائرية ، والرسّام الذي فقد لوحاته في بلاد الغربـة، يعاد بالطــائرة من باريس إلى مسقط رأسه ، محمولاً على نعشه !











بثينة شعبـان
المزاوجة بين الأدب والسياسة
لها حضورهـا الأدبي/الســياسي/الثقافي ، المميّز في الفضائيات التليفزيونية ، والمؤتمرات النسائية الإقليمية والعربية.
وتمثل صوتاً هادئاً /معتدلاً/عقلانياً/ متوازناً في حواراتها مع القنوات الإقليمية/العربية/الدولية ، الرسمية منها والأهلية ، باللغتين العربية والإنجليزية .
ويجانب الإنشائية/التطرّف /التحجّر/ الانغلاق.
ويحترم الرأي الآخر، والعقد الاجتماعي الموقّع بين الفرد والدولة.
ويدعو إلى التصالح بين المجتمع والدولة. والمصالحة بين الثوابت والمتحولات في الوسائل والجزئيات ، لا في الأساسيات والغايات.
وتعتمد الكاتبة التكامل لا التصارع بين الجنسين ، الأنثى والذكر.
وتؤيد الســلام التـاريخي ، والتطبيع الاختياري مع الآخر الذي يتخلّى عن حيـازته لاسـتملاك أراضي غيره ، تحت تأثيـر ضغوط الشرعية الدولية ، والمنظمات غير الحكومية ، والرأي العام العالمي .
وتقدّم النصح للقطب الأحادي باعتماد العقلنة/الواقعية/ احترام قرارات الشرعية الدولية/ مراعاة المصالح العربية/الأميركية المشتركة/ تفضيل الأحقيّة التاريخية العربية على القوة التاريخية المعتدية .
وتطالـب القطب الأحــادي أن يبقى حكماً / فيصلاً لا منحازاً لأيّ لوبيّ من اللوبيّات.
وتتعامل مع زحف العولمة تعاملاُ اختيارياً / انتقائياً .
إنها تؤيد العولمة المضيئة في ثورتها الاتصالاتية/المعلوماتية ، لكنها ضد العولمة في جوانبها المعتمة التي تزيح التواصل البشري الحقيقي من الساحة الدولية لصالح التواصل الوهمي . وتبعاً لذلك ما هو الموقف من العولمة؟ تستطيع أن تواكب العولمة ، أو ترفضها ، ولكنك لا تستطيع أن توقف زحفها.
والعولمة في أدبياتها " تسليع لكل شيء" وتعميم للقيم الاستهلاكية .
وتحـاول أن تقيم جســراً مـن الأخلاقيــات والتنوير الفكري بين الترييف ، والتمْدين ، والتمدّن ، لكنها مهمة ليست سهلة .
وتجعل من تحـرر المرأة الاجتماعي/الســياسي ، وتحقيـق الهوية الوطنية / القوموية ببعديها التاريخي والإنساني ، توأمين لا ينفصلان (الأنثى الحرة في وطن حرّ ) .
وهي روائية / قارئة سياسية / ناقدة أدبية .
والقائلة : " المرأة العربية سبقت الرجل إلى كتابه الرواية " .
أصدرت حديثاً كتابين أســاســيين : مئة عام من الرواية النسائية العربية – المرأة العربية في القرن 20 ، يُظهران انخراط النخب الأنثوية في المؤسسات الرسمية منها والأهلية .
وهكذا تنامى دور المرأة التاريخي ، بانتقالها من صناعة الأولاد إلى صناعة التاريخ .
والمساهمة مع الجنس الآخر في تحمل مسؤولياتهما التاريخية في الإصلاح الاقتصادي والإعمار السياسي والتحديث الإداري .
لأنّ الوطن الحرّ يستوجب أن يكون أبناؤه من الجنسين أحراراً .
وتعمل الروائيّة بكل طاقاتها المادية / الفكرية / الأسلبية لإيجاد نوع من التوازن العام بين نخب الجنسين بعامّة وفي مجال الإبداع الروائي بخاصّة .
وتعتبر الإبداعات في العلوم الإنسانية / النظرية / التطبيقية ضرورة تاريخية ملحّة/ أساسية ، لتحقيق التنمية المادية /الفكرية / الثقافية لإقامة اقتصاد متين / حديث / متطور .
وتطلب مـن القـارئ / الناقـد أن يفصــل" بين النقد الذاتي ، والموضوعي ، في النقد الأدبي أو في النقد الاجتماعي " السياسي .
ويشكّل النقد الموضوعي لا الذاتي ، خطوة متقدمة لتطوير قراءة وثقافة المؤلف والقارئ والناقد .
وهي منحـازة إلى اللغـة العربية الفصحى ، لا إلى اللغة المحكيّة الشـعبوية ، في الدراما والمسرح ، والإعلام المرئي والمقروء والمسموع .
وترى في الجامعات المنتشرة في دول النظام العربي الرسمي" خيبة أمل حيث تراجعت في مستوى الأداء والبحث " .
وتطمح إلى إحياء / بعث مجد اللغة العربية " حتى لا تقتلعها رياح العولمة من جذورها " .
ومواكبة اللغة ، أية لغة للعولمة ، تتطلب أن يساهم إنسانها في الإنتاجين المادي / الفكري ، بأرقى صورهما ومضامينها ، بعيداً عن التمنيّات /الأحلام/ الرومانسيات/ الفانتازيات.
لأنك جزءُ من كرة أرضية فضائية ، تحوّلت إلى ضيعة الكترونية .
ولك الخيار أن تكون منعزلاً / مغموراً / تابعاً / مساهماً أساسياً في النظام العالمي الجديد ، بعولمته ، وشراكاته ، وتجاراته الدوليّة الحرّة .
إنّ أمّة /حزباً/ وطناً/قريةً ، أنجبت مبدعةً ، تستطيع من جديد أن تنجب نخباً مبدعةً في السياسات / الروايات/ الاقتصادات/الترجمات/ الحوارات .
وأظهرت أدبياتها إعجـــاباً بالإنجازات المادية والقيمية التي حققها الجيل الأول ، من المغتربين الســــوريين واللبنانيين ، على الأرض الأمريكية قائلةً : ( أجدادنا في أمريكا الذين انحدروا من أصل سوري ولبناني ، أقاموا مؤسسات إنسانية ، ومادية متطورة .
وتعجز دول عربية في الواقع الراهن عن الإتيان بمثلها . وفي مرحلة بدأ خلالها أحفاد الوطن المهاجر ، يبتعدون عن الوطن المقيم " سوريا / لبنان " ) .
لذا تقيم الكاتبة في أدبياتها جسوراً من التواصل بين الوطن المهاجر ، والوطن المقيم (( عبر توظيف ما بناه المهاجرون الأوائل من السوريين واللبنانيين ، من مؤسسـات ، لتشــكيل قوة ديناميّة للوبيّ عربيّ أمريكي ، يرتكز على الإرث الثقـافي ، والحضـاري العربي في المغترب ، واســتثماره على الساحة الدولية ، لكي نؤسس منطقاً حوارياً ، لا عنفياً بين الحضارات والثقافات )) .
وهي علمانية . وتبقى واثقة من ذاتها ، ومنسجمة مع تفكيرها ، وصوتاً إعلامياً جريئاً ، وموضوعياً ، ومولّفاً بين الحلم العربي والإرث الحضاري .
ترى الكاتبة ، الإسلام ، منظومة أخلاقية قيمية ، أساسها العدل والتسامح والأنسنة . وتحترم الذات البشرية (( أياً كان لونها أو دينها أو عرقها )) .
وتؤسس عالماً متوازناً بين أدبياتها ، وسياساتها القائمة والمركّزة على ملف السلام ، وإعادة الأدمغة المغتربة ، وقوى المال للاستثمار ، والمساهمة في البناء والإصلاح في سوريا الحديثة ، في ظلّ قيادتها الشابة .
وتعتبر حقوق المواطنة ، أهم الإنجازات البشرية المتمثلة ( في الكرامة الإنسانية التي هي الحق الإنساني الذي تتساوى به جميع الشعوب من الأعراق والأديان والثقافات والحضارات كافة . وهي مطلب عزيز على الأطفال والمسنين والشباب والنساء والرجال ) .
وأدبياتها ترفض تفوق حضارة على أخرى ، من خلال منتوجها الحربي والمدني ، بل من خلال منتوجها القيمي ( لأن الحضارة ليست الغنى المادي والصناعي فقط ، بل هي تحقيق أنسنة الأنثى والرجل معاً ) .
وتطلب من الآخرين عدم استخدام ( عبارة الإرهاب الإسلامي . ومراجعة استراتيجية الحرب على الإرهاب خاصة أنها أدخلت العالم في فوضى أخلاقية ) وأمنية وسياسية .
ولا تميل الأديبة مطلقاً إلى النرجسيين ، الأدباء منهم والساسة (( والذين ينتقدون من أجــــل التجريح أو نشـر الإحباط . والذين يعملون بشكل سلبي ، ويفهمون النص سلباً . ويقرؤونه مع سابق إصرار على السلبية . لأنهم لا يستطيعون الخروج من عالم الذات المصابة بأورام النرجسية )) .
وترفض العنصرية أكان مصدرهـا أدبيــات عربية ، أم أدبيات غربية قائلة : (( علينــا ألاَّ نقـع في براثن مـن يروّج لنظرة عنصرية ضد هذه الأمة ، فيتّهم ديانتها وتراثها وأخلاقها بالإرهاب . ولا نقع في معسكر يتّهم الغرب برمته ، بأنه شرير ويضمر الشرّ لأمتنا جميعاً ! )) . حتى لا يدخل العالم في فوضى منهجية عامة .
وترى أن (( الحملات اليومية من الإرهاب الدموي في العراق المتمثل في قطـع الرؤوس البشـرية المدنيـة ، والتمثيـل بالجثث ، وتفجيرات الأسـواق ، واغتيال العلماء والأطباء ، وأساتذة الجامعات ، تنفّذها أيدٍ حاقدة على العراق والعرب ، ومصممة على استنزاف الطاقات البشرية الخلاّقة في العراق كي لا تقوم له قائمة )) .
وهي منحازة إلى الإنسان العربي الناهض / الفاعل / الصانع لتاريخه ووحدته / المتحرر من كل أنواع التعصب والعنصرية / الرافض للإرهاب الذي يقتل الكائن البشري على الهوية .
وهي أول أديبة عربية ، تحوّل الأدب إلى سياسة ، والسياسة إلى أدب .
وترفض الإعلام الحرّ الذي يصوّر الإنسان العربي بطلاً سلبياً / إرهابياً ، أو ضحية من ضحايا التخلف .
والاتحاد في أدبياتها لا يؤسس على ردود الأفعال ، بل يعتمد الأفعال التاريخية المتقدمة لدى أبناء المشرق العربي ومغربه ( وعلى الأبناء اليوم أن يستثمروا عمق وأهمية المشاعر المشتركة ليترجموها خطوات عملية تزيد من التواصل والتعاون والتكامل في شتّى المجالات ) .
وهذا يتطلب من فكريات الذات العربية أن تتكون داخل الموجود الفيزيائي والتاريخي ، لا فوقه ، ولا خارجه في جغرافية عربية مؤهلة للمساهمة في حركة التقدم التاريخي للجنسين معاً .
والكاتبة تعتمد الثوابت في تاريخيتها ، والمتحولات في حركتها .
لـذا تنتقد مثقفين ، كتاباً عرباً يرفضون الواقع الحي الراهن لا الواقع المفترض (( حتى لكأنهم فقدوا مؤشرات بوصلة الهوية المتجذرة في أعماقهم . كما فقدوا التواصل الحقيقي مع نبض الشارع ، وطموحات الناس ، وتطلعات شعبهم إلى مستقبل حرّ كريم ... وهنا تكمن مأساة الواقع العربي الذي يفتقر إلى نخب رسمية وأهلية )) تعتمد التجديد والتحديث ، لنقل المنطقة من الركود والقهقرى إلى الارتقاء والتقدم .
إنّها معادلة صعبة ، لكنها ليست مستحيلة .
تتوجه وزيرة إلى وزيرة ، وإنسانة إلى إنسانة قائلة : ( يا إلهي ... عن أيِّ حقيقة تتحدث السيدة رايس ؟!
ندعوها إلى تطبيق المعايير والقيم والواحدة نفسها من دون ازدواجية ، على الجميع ، واعتبار البشر جميعاً أخوة في الإنسانية من دون تقسيم العالم إلى أصدقاء وأعداء ، وأماكن نور ، ومناطق ظلام . وأن نتشبث بالأمل ، ونعمل معاً على التحرر من الخوف ، وإنهاء الظلم والظلامية عن كوكبنا ) وإنساننا بسحناته الهادية والمتوسطية ، الهندية والأطلسية .

غادة السـمان
طائر العنقاء
فتاة نرجسية ، متماهية في دمشق ، أقدم مدن تاريخ العالم . وهي مستقلة في حياتها الفكرية واليومية .
تربت في أسرة مثقفة ومتمدنة ، مما أفسح لها المجال الحر لبناء شخصيتها خارج مفردات الحاجة والتملق والتسلق .
فقدت غادة مبكراً الثلاثي المقدس في حياتها ، الأم والأب ودمشق ، مما جعلها فتاة غرائبية ومشاكسة للمألوف السائد في جغرافية عربية ، تعتبر شرفها الأساسي محصوراً في عضو بيولوجي من أعضاء المرأة .
وغادة الوحـيدة لوالديها ، والوحيدة في وطن الطفولة ووطن المنفى ، أحبت الوطن والحرية والمساءلة .
رفضت في نصوصها وحياتهـا ، مفـردات التحزب والتأدلج والحلم والوهم وعمى الألوان النقدي ، والخدمة الإلزامية للأدب وللأدباء ، لأنها عاشقة للحرية وللوطن الحرّ .
وهي دمشقية في امتلاكها للأسلحة الفكرية والحضارية
ولاذقانية في صفاء عالمها الداخـلي الممتزج بصفاء البحر وزرقة السماء
وبيروتية في ثقافتها ولبرلتها
وباريسية في خبرتها بشؤون الحياة ومتاعبها
وعالمية النزعة في أسفارها
ووطنية الجذور في عينيها وذاكرتها .
وسببت لها صراحتها وجرأتها ، واندفاعاتها البركانية إرباكات وإشكالات مع الواقع والذهنية الراكدين .
وسبب لها نشر مذكراتها ورسائلها أزمات وأقاويل ومتاعب .
وفي كل عقد عاشته غادة، عانق الموت إنساناً عزيزاً على قلبها .
أول فجيعة ألمّت بها، معانقة الموت لوالدتها .
الفجيعة الثانية، الإحباط العام الذي أصاب الأنا الفردي والجمعي على أثر هزيمة يونيو 1967 .
في الستينات عانق الموت والدها .
في السبعينات فقدت كنفانها غسان ، وناصرها جمال ، وكوكبة شرقها أم كلثوم .
في الثمانينات ، عاشت مأساة الحرب الأهلية اللبنانية .
في التسعينات ، رحل قبانها نزار اقرب وأحب الأدباء إلى فكرها وقلبها. لقد شكلوا مجتمعين ، قافلة من شهداء الكلمة الحرّة .
في العقد الأول من القرن الراهن ، همّش النظام العالمي الجديد نظامها العربي ، الرسـمي منه والأهلي . وكانت أحزان غادة قاتلة ، وجروحها عميقة لا تندمل . ولف قلبها رداء حزين ، رافقها في رحلاتها إلى مدائن الريح والمنافي .
ويبقى الموت استراحة مؤقتة لولادة جديدة .
(( الحياة جميلة ، وأجمل ما فيها ، إننــا لا نموت إلا لنحيــا من جديد ولا نترنح إلا لنركض من جديد )) .(4)
وغادة أحبت في نصوصها وحياتها ، الغوطة وقاسيون وبردى ودمشق التي احتضنتها في طفولتها ، وبيروت تعهدت بكفالتها ، وعرّتها من أشيائها الجميلة.
(( تعريني إلا من البرد والغربة والذكرى
أنا هنا وحيدة
شهقة متعبة في سمفونية ليل المشردين )) .(5)
أحبت غادة ، قاسيون ، وبردى ، وغوطة دمشق ، وساحاتها .
وحملت غادة ، دمشق في عينيها وذاكرتها أينما حلّت أورحلتّ .
وظلت دمشق رفيقتها المدللة في مدائن الريح والمنافي .
وكانت تنتظر من دمشق أن ترسل لها رسـالة حب وعتاب ، وبطاقة دعوة إلى أرض طفولتها ... وجاءت الرسالة، فكانت فاتورة حسابّ !
وبقيت دمشق في مخيلة غادة ، مرتسمة ، ومطبوعة على كل الأماكن والمطارح التي زارتها في مدائن الريح والمنافي .
(( ففي عينيّ اختزنتك يا دمشق
حملتك عام بعد عام
ودرت بك الدنيا
وكنت أبداً ملجأي ، ومبكاي ، ومصلاي ، ومبخرتي ، ويوصلتي، وتعويذتي التي بها أطرد شرور العالم
وجذوري كانت أبداً مغروسة في قاسيونك
ونسفك يصيب شراييني
وكانت الغربة عنك، مزيداً من الالتصاق برحم تاريخك)) .(6)
شـــكلت غادة من دمشق ، سمفونية عالمية حاملة هموم الإنسـان وأفراحه ، وهزائمه ، وانتصاراته ، وغربته ، وانتمائه .
(( أراك ، وأرى نفسي منك
يا حكايا التعاويذ والتقاليد
يا رسمي الممزق في مهرجان الأقنعة
يا تمثالي المطعون في طقوس الزيف
يا مبدعة عذابي
وسيدة تشردي )) .(7)
إن دمشـق تفتح كل صبـاح ذراعيها ، لاحتضـان ابنتها المدللة ، وضمها إلى صدرها ومعانقتها لأجمل طفلة ولأهم كاتبة مبدعة ، وإذا ما عادت الطفلة إلى أمها ، ستهطل السماء دموعاً من مطر الفرح . وتنام دمشق مخمورة بالأمل ، وتستيقظ محاطة بتاج النصر.
وبات من المؤسف حقاً أن يعود الأديب أو الفنان أو السياسي المهاجر، إلى وطنه، وهو مغمض العينين . وينام نـوماً أبديـاً معانقاً تراب الوطن في مماته لا في حياته !
* غادة ونزار قباني :
نصّان ، شعري ونثري يطمحان إلى إقامة معادلة متساوية الحدين بين الجنسين، وكائنان مشاكسان يشكلان معاً لوحة تشكيلية، عنوانها : خلطة حرية
عملا على تنحية البطل السلبي وأرشفته .
وامتطيا حصان الحب والغضب .
وتكـررت في نصوصهما وحياتهمـا مفـردات الرحيـل والمنـافي والمرافئ ، ومملكة الحزن والضجر، ودمشق أجمل قصيدة ومدينة وصبية وعبادة ، ومفردات زهرة الياسـمين ، والغاردينيا والبيت الدمشقي ، وجبل قاسيون ، والغوطة، وبردى ، وجبل لبنان ، وساحة النجمة، وبيروت، والنوارس والبحر، والشواطئ وزرقة السماء . وبها انتقدا أصدقاء المقاهي والأندية الليلية وطريقة انتخاب ملكات الجمال . وسخرا من عارضات الأزياء ، والدعايات الإعلانية التجارية .
واحبا معاً الطبيعة . وحملا معاً السأم والضجر والحزن والخوف .
وعندما هدد الموت قبانها نزار في الســبعينات ، وتوقف عن النطق والكتابة ، وكاد قلبه يتوقف عن الحركة تمنت غادة أن تمنحه قلبها ، ولكن القلبين كانا متعبين ومثقوبين بهموم الذات والقضية .
" حين رآني ، فتح عينيه الزرقاوين
وقال لي : هذا ثمن الجهاد يا غادة
وأردت أن أمسك بيده ، لنعود إلى مدينتنا دمشق ، وإلى بيوتنا في ساحة النجمة ، وإلى ذلك الزمن الأكثر حناناً وهدوءاً وفرحاً .
ليس قليلاً، أن يقدر شاعر على جعل الشعر كالخبز، يحبه الجميع ويتداوله الجميع. تمنيت لو أمنحك قلبي !.
ولكن ما جدوى قلبي المثقوب بالأحزان مثل قيثارة لم تعرف غير أناشيد الوجع وصفير رياح القسوة والغربة ؟!
قلبي الذي سطا عليه الألم
وسرق من دهاليزه ، نجوم الفرح، وعصافير البراءة .
وجعله مضخة صدئه مسكونة بالضجر ، واللامبالاة والنزوات ، ما جدواه لك ولي ؟! (8)
وشكل الأديبان سمفونية كونية في مهب مدائن الريح والمنافي .
وتحررا من الغبار الصحراوي ، والتعصبات والتحزبات والعنتريات الصحراوية والقواعد التقليدية ، قواعد اللغة القاموسية والبحور الفراهيدية والشرف القبلي ، وقواعد المجاملة والمسايرة ، والروابط الاجتماعية العنكبوتية ، وقواعد المصالحة بين النقل والعقل .
واحتجّا على التمذهب والتأدلج .
ورفضا التأميم ، تأميم الأفكار وتدجين البشر .
واستنكرا منظومة أخلاقية جيل الخفافيش والأقنعة وصداقة الطحالب .
وشغل الصوتان أمة العرب نصف قرن من الزمن .
ونقـلا المرأة مـن العتمـة إلى دائـرة الضـوء . ومـن زاويـة حادة إلى زاوية منفرجة .
وأحدثا خلخلة في الذهنية العربية الصحراوية الراكدة .
وأزالا معاً الحواجز النفسية بين الجنسين .
وساعدا المرأة على المصالحة مع جسدها .
واعتمدا حصانين ونمرين للحب والغضب والرحيل .
* غادة والحب والحبيب :
الحب والحرية والانتماء مفردات مقدسة في نصوص غادة ويومياتها، في عالم بدأ يهرم ويشيخ بسبب البؤس الثقافي والإنساني، وتحوله إلى أرقام ومنفعة وإعلان تجاري.
غادة ترغب أن تؤسس عالماً فنّياً، تزرع فيه إنساناً محباً ومبدعاً وعاشقاً ومنتمياً ، فيه يمنح كل جنس للآخر، القدرة على الحب والإبداع .
وتحـوّل ابتسـامة الحبيب إلى قوس قـزح ، وشـعره إلى زوبعـة بحرية ، وعينيه إلى نار للعراك ، والملل والتكرار والضجر إلى كرنفالات ومهرجانات للرقص وللفرح وللغناء ، والمهادلة إلى مشاكسة ، والقبول إلى رفض ، والأيام الرتيبة والمتشابهة إلى سمفونية للتجديد والتحديث .
وتعمل غادة على تهديم جدران الذاكرة لإعادة الإنسان المحب إلى عالم الدهشة والانتظار والشوق ، فالحب ( كون من الغابات والصواعق ، والسماوات المضيئة ، والليالي الطويلة ، ودورة من دورات الطبيعة ، وكما جاء يرحل بخطاه الخفيّة ، كخطى بابا نويل ، حتى دون أن يترك آثار أقدامه على ثلوجي وبحاري ). (10)
هـل بطـل غـادة التي أحبّته نثراً لا شـعراً ، شـخصية تخييلية أم عبثية أم سورياليه أم واقعية ديناميه أم مشاكسة وفضائحية ومقدامة وجسوره ؟
إنه كل هذه المواصفات مجتمعة .
علاقة غادة بأبطالها في نصوصها " عيناك قدري- لا بحر في بيروت - ليل الغرباء" تموّجت بين المدّ والجزر ، ففي البداية : ترحيب ودهشة وفرح .
وفي النهاية : افتراق وحزن وقطيعة
وغادة تعيد ولادتها كالفراشة كلّ ربيع .
ولا تحمل ميزاناً ، ولا جداول جمع وطرح وضرب .
ولا تهوى جمع الطوابع ودفاتر الشيكات .
ولا يرافقها مراب عتيق ، يعقد لها الصفقات .
ولا تعرف لعب الحياة والسياسة .
ولا تتقن فن راقصات السيرك .
إنها عاشقة ومحبة ، تقول غادة : ((من لا يحب، لا يعرف القراءة والكتابة ولا الصـلاة ، ولا الفرح ، ولا العطــاء ، نحن لا نملك إلاّ اللحظة ، بلا بارحة، ولا غد)) والحب ليس محصوراً في جسد المرأة بل يشمل مكونات الطبيعة ومكنوناتها.
وكان لبابلو نيرودا شاعر الأرض والوطن والانسان والثورة ، 100 قصيدة في الحبّ .
لأنّ (( الحب ليس نقيضاً للثورة ، أو نقيضاً للحس بالمسؤولية ، أو نقيضاً للجديّة في مواجهة قضايا الحياة .
وقد اســتطاع أجدادنا أن يفهموا جيداً نموذج عنترة المقاتل ، والعاشق ، والشاعر .
ولم توجّه إليه تهمة الخيانة العظمى . لأنه تحدث عن الحب في زمن الحرب ولم يرجموه . لأنه حمل في عينيه صورة حبيبه إلى ساحات الوغي ، وجه حبيبته كان مقبض سيفه )) .(9)
وأكره الأشخاص إلى غادة ، المليونير .
هوايته : القمار والاتجار بالمخدرات والآثار.
معبوده : الدولار .
أعداؤه : المساءلة وحقوق المواطنة .
أصدقاؤه : طحالب التاريخ وطفيلياته .
ذاكرته : محشوّة بغبار التاريخ وأوحاله .
صادراته : بيع الوطن بالجملة والمفرق .
ولادته : ولد في السوق السوداء .
(( إنني لا أصافحك
لأن كاهنات صحارى الصمت
يحتقرن رجال الطحالب المذهبة )) . (12)
وغادة تعيد تركيبتها الجوهرية كالفراشة كل ربيع ، كي تصبح نجمة أكثر إثارة ودهشة وفتوة وإضاءة .
وغادة بنت بردى ، هي العنقاء ذاتها .
تطمح إلى الخلود الأبدي . وترفض مشروع الموت ، لأنه ليس من اختيارها أو طموحها. ولا تحب غادة استحواذ المجهول أو تحويله إلى معلومة وملكية . بل ترغب أن يبقى الحلم والمساءلة مستمرين ، كي يستمر المبدع في أبحاثه وتقنياته واكتشافاته ، وتجدده وتفاؤله .
تبقى غادة معشوقة الجميع ، وحتى غادة تعشق غادة .
أحبّت غادة رسائل الحبيب إليها ، واعتبرتها آيات أرضية .
غـادة فتـاة مشـاكسة وشـقيّة ومزاجية ، وفي لحظة أخرى تهرب من ذاتها ، وتنفر من العالم ، وفي لحظة أخرى تحب العالم وذاتها .
وهي تحب وتهوى عكس ما يحب الآخر ويهوى .
والإنسـان العاشـق الـذي يقتـرب منها ويعلـن الحب عليهــا ، تبتعد عنه ، وتعلن الحرب عليه .
وهي تحترم إنسان اللامبالاة .
وغادة الأنثى في نصوصها ويومياتها، تبحث في هذا العالم العجائبي عن ذاتها، وعن نظير لذاتها من الجنس الآخر.
ويلتقي الحبيبان في بيروت المشاكسة ، والأضواء الخانقة بإشارات المرور.
ويرسمان طريقهما في عالم محفوف بالمخاطر والمفاجآت .
والعلاقة بين البطلين المبدعين ، ليست علاقة، احتواء واحتكار، بل هي علاقة توازن وتكافؤ وتشـاكس. ووجـد الآخـر ذاته في ذات الآخر لصناعة الفرح (( نرجسيتنا المشتركة ، هي التي احتكرتنا ، جوع كل منا إلى ذاته ، إلي حقيقته ، هو الذي يلمّ شملنا كل مساء إلى وليمة فرح واحدة )) . (15)
الحب في أدبيات غادة ، يأتي كالزلزال ، وينفجر كالبركان .
(( يتدفق كالسيل
ويتفجر كينبوع في حضن صخرة
وحبي لك، كوكب لا ينطفئ، فتقال )) . (16)
رفضت غادة الاشتراطات ، والإملاءات والعبوديات المفروضة ، من الذكر على الأنثى ، ومن الأنثى على ذاتها .
لأن غادة تختار مشروعها. وترفض مشروع الإكراه
(( كفّ عن حبيّ
اشتهى حريتي
اخرجي من تحت جلدك
ومن مسامّك )) .(17)
* غادة النص والحياة في وطن الطفولة ووطن المنفى :
" لا أحد يختار دينه ولونه ولغته وعائله وجغرافيته ، بل يقبل واقعه المفروض عليه دون العمل على تغييره " وإعادة النظر " .(18)
والبطل في نصوص غادة ويومياتها ، ليس مغازلاً للسلطة وللماضوية. وترفض أن يكون بطلها مستلباً من قبل النصوص التراثية والغربية . وهو بطل مغامر وشجاع واقتحامي وعنيد وصلب .
لا يهادن المألوف . ويشاكس الخصوصيات الثابتة والأبدية . ولا يساوم على قيمة . ويقتحم الحواجز النفسية بين الجنسين . ويدعو إلى إجراء مقاربة ومصالحة بين المرأة وجسدها ، وبطلها يتدفق حيوية ونشاطاً .
وغادة لا تميل إلى المشابهة والمماثلة مع بطلها ، بل تعتمد التعارض والتناقض معه ، لأن عالم غادة هو عالم الشـجار والمناكدات والالتحام بالعالم حباً وكرهاً .
أما المدينة فتقوم بتعليب أبنائها وتدجينهم . وتحولهم إلى مصلوبين ومستهلكين. وتجعلهم أرقاماً في سجلات النفوس والحياة ... إنه عالم حزين وسوداوي قاتل.
(( المدينة ... لا تملك منها شيئاً
الشوارع ... لجنون السيارات
المطاعم ... ليرقبها الجياع
الفتيات ... ليهرمن
الصدور... ليحرقها الدخان والفراغ والسأم
أنتَ وأنا مجرد أرقام في سجلات المدينة، تنقل بعد حين إلى سجل الوفيات)) .(20)
وصنعت غادة من ذاتها البايلوجية عالم الرحيل والحرية
(( جسدي ، حقيبة سفري
شعري ، وسادتي
أصبعي ، أقلامي
شراييني ، محبرتي
نزفي المستمر ، سطوري
أنا غجرية ، ولأن الحرية خبز الغجر، فهل يستطيع حبك أن يكون خبزي وحريتي ؟)) .(21)
بالمقابل ، صنعت غــادة من ذاتهــا العضوية للحبيب ، برنامجها الخاص ، وجغرافيتها المحببة (( يدك ، قارة خصب وأعياد .
خطوط راحة كفك ، صارت خطوط خارطة عملي .
أظافرك ، واحتي
شرايين يدك ، أنهاري
خارج حدود أصابعك ، ينتهي العالم )) .(22)
العلاقة بين غادة وبطلها ، هل هي علاقة نصوص أم حياة ؟ وهل النص اختلط بالواقع ؟ غادة أصابها الاختلاط الذهني . ولم تعد قادرة على إيجاد الخيط الرفيـع الـذي يفصـل بين النص والحياة ، والتمثيل والواقع ، والحلم والحقيقة ، وعبثية اللعبة وجديتها .
(( وخرجنـا إلى الكواليس نتابـع المسـرحية السـاطعة التي أدهشت الجميع ، وصدمتهم ودوختهم وصعقتهم )) . (23)
وتضع غادة حداً للتساؤلات قائلة : (( كانت مأساتنا ، يا حبيبي ، إننا عشنا حبنّا ، ولم نعد نمثله .
وداعاً يا غريب . وداعاً يا أنا )). (24)
إننا نعيش في عالم استهلاكي لا إنسانوي حيث استبدل التواصل البشري بالتواصل الوهمي .
(( يا لرعب العصر القادم ، الذي سيستبدل عيون إلزا حبيبة آراغون بإبرة فولاذية معقّمة )) . (25)
وترفض غادة إفرازات العالم الاصطناعي .
لأن أفضـل ما تدهـن به شـفاه الإنسان ، هو الصدق ، الصدق في النصوص ، وصدق الإنسان مع ذاته ، ومع الآخر والحياة معاً .
ولا تميل غادة إلى عالم النجوم الكلاسيكيين والفانتازيين والعبثيين. ولا تهتم بالبطل الدون كيشوتي والدونجواني والزوربي. ولا تؤمن بالحتمية القدرية . ((كلمة نصيب لا نصيب لها من احترامي)) .(26)
وهي تحترم وتستهجن الآخر في حضوره لا في غيابه .
وترى أن الإنسان الذي يرفع راية الحب والتسامح في يدٍ ، ويرفع راية الحقد والانتقام في يدٍ أخرى ، هو إنسان شرير وشيطان ذاته .
وهي غزيرة في منتوجاتها الأدبي / الفكري .
وترجمت نصوصها إلى معظم اللغات الرئيسية في العالم ، وبمعدّل منتوج مؤلف كل عام . وأثبتت حضورها المتألق على المستويين الإقليمي والعالمي .
وظلّت غادة طلقة فكرية ثقافية ، ونجمة عربية مضيئة في حوض المتوسط .
وهي صرخة احتجاجية على الواقع العربي الرسمي منه والأهلي .
(( حين تصير اللغة قناعاً إضافياً
والصداقة فرصة للاعتداء ، وذريعة للحقد
وحين ينتحر الفرح وهو وليد
ويبيع قيس ، ثياب ليلى في المزاد
تصبح عبارة وداعاً ، نشيدي الوطني )) .
ويبقى الأديب المبدع قلقاً ومتأزماً في جوانيته أكان موجوداً في وطن الذاكرة والطفولة أم في وطن المنفى .
لأن المألـوف يقيـم حـواجـز شـائكة أمامه ، والموروث يقف له بالمرصاد ، ومقص الرقابة يقص أفكاره ويقمع مشاعره وأحاسيسه .
وهو حزين في عالم المنفى الاختياري ، لأنه لا يستطيع الائتلاف مع المنظومة القيمية لوطن المنفى .
لذا ، يعيش الأديب والفنان والمثقف والسياسي غربتين : غربة في وطنه الأصلي وأخرى في منفاه الطوعي .
والأفــراد الصرحـاء والنشـطاء الذين قاوموا إفرازات الانتداب والاستقلال ، تحولوا إلى جيش من اللاجئين في حاضنات السيدة أوروبة. وصادقوا الملل والضجر ، والقلق والاكتئاب في وطن الذاكرة ووطن المنفى.
وأصبحت اللوحة التشكيلية الواقعية ، الرسمية منها والأهلية ، في العقد الأول من القرن الراهن أكثر كاريكاتيراً من رسم الكاريكاتير ذاته على مستويات الواقع الراكد . والرياء الاجتماعي ، والنفاق السلطوي .
عملت غـادة في نصوصها وحياتها على فضح الواقع الراكد ، وتعرية الرياء الاجتمـاعي ، الرسـمي منه والأهلي . وسبب لها التزامها الفني والأخلاقي ، وخروجها على المألوف والأدلجـات ، وتحررها من دكتاتورية الحب ، والتسيّس ، عـداوة العمائم الدينية ، والقبعـات الخاكية ، والقبعات المدنية ، الأحمر منها والأبيض .
وغادة تنتمي إلى الجغرافية السورية أرضاً وذاكرة وحياتاً (( قررتُ الرحيل ومواجهة العالم وحيدة
وتأكد لي أنه ما من موهبة تمرُّ بلا عقاب
وما من خروج على الأطر السائدة ، إلا وله عقاب
ومن دون الوطن ، وبعيداً عن جاذبيته الأرضية ، نتحول إلى بالون هائم في الواقع المطلق واكتشفت أنّ من شروط الحرية ، الانتماء وأنا مازلت أنتمي لعباءة جدي .
وياسمين بيتي الدمشقي ، وبحر اللاذقية وبيروت الأزلي )) .(27)
وتبقى غـادة العاشــقة للسـفر وللحريـة ، والحالمة بالعودة إلى أرض الوطن ، حاملة معها رواية أفضل .
قراءة نقدية
سهرة تنكرية للموتى / رواية /
غادة الســــمان
عاشـت غـادة متنقلة بين أوطان ثلاثة ، وطن الطفولة ( دمشـق) ووطن الإبداع /بيروت/ ووطن المنفى الاختياري / باريس/ وحملت معها ثلاث هويات في لحظة تاريخية واحدة .
أبطالهـا في رواياتهـا ، هـم مـن الوجوديين ، والعبثيين ، والمأساويين ، والسورياليين ، والرومانسيين ، والواقعيين .
تصنعهم من التخييل ، والمخزون الثقافي المجتمع في ذاكرتها ، ومن تجاربها الذاتية والمتعمدة مع العرّافات ، والمقامرين ، والمغامرين ، وهواة المخدرات لرصد النشاط العام للنخب الدمشقية .
أبطالها في رواية " سهرة تنكرية للموتى" هربوا من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية إلى النعيم والاستقرار الدائمين في باريس . ولكنهم وجدوا ذواتهم في جحيم من نوع آخر لا يطاق . وهي امتداد طبيعي لرواية ( ليلة المليار ) .
إنه الاغتراب والاستلاب في الوطنين معاً : وطن الطفولة ووطن المنفى، وفي الرواية تختلط لدى أبطالها الأوراق والمفاهيم والمواقف ، بحيث يصعب على أبطال الرواية أن يميزوا بين الوهم والحقيقة ، والتجريد والتجسيد ، والواقع والحلم ، والوعي واللاوعي .
فتختلـط السـوداوية بالتفاؤلية ، والجنون بالعقلانية ، والسـيادة بالعبودية ، والانفلاش بالانتماء ، والنصر بالهزيمة ، والخرافة بالواقعية .
وتبعث " كوابيس بيروت للحياة من جديد على شكل سهرة تنكرية للموتى" بعد مرور عقدين من الزمن .
إنهّا الحرب التي تدّمر الطاقات البشرية والمادية . وتشكّل إحباطاً واكتئاباً للأنا الفردي والأنا الجماعي .
ويصبح الأنا الفردي فأراً مذعوراً وخائفاً على وجوده الشخصي ، والتي تجعل الطيبين شريرين ، والشريرين أكثر وحشية وهمجية وانفلاشية .
وانعكست آثار الحرب الأهلية على أسلبة غادة وحياتها ، بحيث جعلت أبطالها يغيرون مواقعهم وهوياتهـم وسـلوكهم بين لحظـة وأخرى . ويحاورون ذواتهم ، والأشباح والأموات ، وذلك انسجاماً مع ذاتها المبدعة والمتجددة والمتغيرة .
والعالم الغادوي على المستويين الذاتي والأسلبي ، جعل أبطالها يعيشون اللامألوف ، واللامنطق ، واللاعقلنة ، والقلق والتأزم ، لأن غادة لا تخشى أحداً.
إنّها تعيش الحرية المطلقة في أسـلبتها وحياتها. وتعيش العزلة في نفس اللحظة . وغادة هي الأقرب إلى المبدع المجنون ، وقد ألزمه أهله ووطنه وأصدقاؤه أن يكون قلقاً ومتأزماً في حياته وأسـلبته الأدبية ، وغادة مصممة على استمرار قلقها وتأزمها ، من أجل رفع وتيرة الإبـداع والتجديد ، لأن غادة لا تستطيع أن تعيش خارج الإثارة والمشاكسة والغرابة والدهشة .
في روايتها " فسيفساء دمشقية " تصنع أبطالها من مخيلتها ، وتجعلهم يقتربون من أهدافهم وأحلامهم . وفي نفس اللحظة يبتعدون أكثر عن أهدافهم وأحلامهم . ويتوهم بطلها ، أنه يحاور الآخرين ، ويتخذ موقفاً منهم ، وهو في الوقت ذاته يحاور ذاته . ويبقى عاجزاً عن اتخاذ الفعل المناسب ، لأنه مصاب بالتعددية الشـخصانية ، العاجـزة عـن اتخاذ موقف واضح من الحدث والذات والآخر .
وتقدم غادة عرضاً أدبياً للقارئ الناقد ، أن يختار عنواناً من ثلاثة لروايتها"سهرة تنكرية لموتى" وهذه هي أول محاولة إبداعية جادة وهادفة لمشاركة القارئ الناقد في تحمل مسؤولياته الأدبية – النقدية .
أبطالها بشر وجرذان ، وشياطين يزرعون الرعب والموتى والدمار والطاعون .
الرواية محورها الأساسي سبعة لبنانيين ، من شرائح اجتماعية واقتصادية متعددة ومتنوعة ، يهاجرون من بيروت إلى باريس هرباً من جحيم الحرب الأهلية اللبنانية . ويعيشون في باريس الأنوار، الاغتراب والاستلاب . وبعد مضي ربع قرن من الزمن يعودون إلى بيروت الوطن . ويصاب من بقي منهم حياً بالإحباط والاكتئاب والهزيمة الجوانية والخارجية .
والإنسان في الرواية يصبح قاتلاً أو مقتولاً ، وناهباً أو منهوباً .
ويتحول القتل إلى غاية ، والإنسان إلى وحش مفترس ، والتخييل إلى واقع معاش ، مما جعل أبطال الرواية يقيمون حوارات مونولوجية ، وروائيه يساهم فيها الموتى والأرواح والأشباح .
واستخدمت غادة في روايتها مفردات نخبوية في جغرافية لبنانية يمتزج فيها التخييل الروائي بالواقع اللبناني المرئي والمعاش ، من كتاب وأدباء وسياسيين ومسؤولين ، وشوارع وفنادق ومقاهي معروفة ومشهورة في بيروت .
وتخلصت غادة من التراتبيه لبعدي الزمان والمكان ، ومن التقليد الروائي (التبويب والفصول) باعتمادها تقنية روائية تظهر صوت الذات الروائية المتنقلة بحرية تامة ، وانتقال الحدث السريع من زمن حاضر إلى ماضٍ وقادمِ ، ومن جغرافية مكان محدد إلى جغرافية مكان آخر، أقرب أو أبعد ، مما جعل الأسلوب السردي يتنامى على حساب الحوار الدرامي للشخصيات. ويحرر الروائية من تراتب الجغرافيات بأماكنها وأزمنتها. ويسـاعد على اكتشاف العمق الدلالي للحدث ، وسبر الأغوار العميقة للشخصيات .
وأبطال غادة الروائيين ، قلقون متأزمون مأساويون ، منهـم السوي والميكافيلّي ، والحالم والواقعي . ترفض غادة في أدبياتها وحياتها النضال المؤدلج القائم على نقل القهر المنظم من دولة القهرستان إلى دولة مجاورة .
وتبقى بطلة الرواية الأساسية / ماريا / الأقدر من غيرها على فعل الانتماء للهوية ببعديها التاريخي والإنساني ، والعمل بكل طاقاتها الأسلبية والثقافية لإعمار لبنان من جديـد ، رغـم أنها فقدت في الحرب الأهلية اللبنانية أسـمى ما لديها، حبيبها ، وبيتها ، والأماكن المحببة إلى ذاكراتها.
باختصار شــديد : في الروايـة توجــد كوابيس القهر في الحلم والواقع ، والعشق والقلق .
يختلـط فيهـا السـرد الروائي ، بالأسـلوب الحواري ، والرمزية بالواقعية ، والنثر بملامح الشعر، والصدام الحياتي بالصدام الروائي ، في عالم مثير للدهشة وللغرابة في الواقع والرواية معاً .
وانتقال الحدث السريع من زمن حاضرٍ إلى ماضٍ وقادم ، ومن جغرافيةٍ محددة ، إلى جغرافيةٍ أخرى أقرب أو أبعد ، أدى إلى تغليب السرد الروائي على الحوار الدرامي للشخصيات ، وإلى تحرر الروائية من تراتب الجغرافيات بأماكنها وأزمنتها ، واكتشاف المعمق الدلالي للحدث ، وسبر الأغوار العميقة للشخصيات .
أبطالها الأموات : نهايتهم مأساوية / سوداوية / هزائمية ، وقد دمّروا بيروت وذواتهم والوطن .
أبطالها الأحياء : جعلوا من بيروت تخييلياً مدينة الحرية .
ماريـا البطلة الوحيـدة في الرواية التي حافظت على بنائها الداخلي / الدرامي/ الحياتي.
استطاعت من خلال إبداعاتها الأدبية الواعية والمتميزة ، أن تتخذ موقفاً مستهجناً ومستنكراً لدولة القهرستان .
وتستخف بـ " نضال " أحد المناضلين القاهرين للبنان . وتعمل بكل إمكانياتها الأسلبية لإعمار لبنان من جديد ، رغم أنها فقدت في الحرب الأهلية أسمى ممتلكاتها المادية والفكرية . وماريا في كل يومٍ ، تحزم حقائبها الفكرية للسفر والعودة إلى دمشق ، ثم تعلّق سفرها في آخر لحظة !
لأنّ العالم الغادوي لم يستطع أن يضع قدميه على أرضٍ صلبة ، بل وضع قدماً في باريس ، وآخر في دمشق !
كوليت خوري ودمشق
العاشقان
تقول كوليت : ( أملك شخصيتين ، شخصية المرأة ، وشخصية الأديبة . وفي روايات " كيان- أنا والمدى- أيام مع الأيام- أيام معه " ، جعلت بطلاتي يخترن الحبّ ، وأنا اخترت الطموح … ويعبّرن بصوتهنّ النهضوي المعادل للرجل في صناعة حياتهنّ وتاريخهنّ . وأرفض الأديب الذي يكتب بلسان المرأة ، أو المرأة المبدعة التي تكتب بلسان الرجل ، الضمير المتكلم . وأرغب أن يكتب الأديب بصوته ، لا بصـوت الجنس الأخـر. أحـلام مسـتغانـمي تكتب بصوت الرجــل ، ولكنّهــا كاتبــة جيدة ، ولا أحـد يكتب لأحد . ولا تحتاج لأحد ، لأن يكتب لهـا.
ويبقى الرجل الشرقي هشّاً ومغروراً ، وتائهاً محروماً . يعيش الحرمان الفكري والجنسي . أما المرأة فهي صلبة / راسخة، وهي الأرض/ الأم/ الوطن التي تؤسس لتربية مجتمع وجيل راقيين ، في حين ينحصر دور الأنثى بتلبية رغبات الرجل ، وإنجاب الأطفال .
والحياة في نظري هي إبداع ، والإبداع هو الحياة . وأعتبر حب الذات للجنس الآخر، مقدمة أساسية لحب الوطن الذي هو القضية .
وأنا أقوم بالتوليف بين الحب والوطن ، فلا وطن دون حبّ ، ولا حبّ دون قضية . وشذ عن هذه القاعدة، كمال ناصر الشاعر/ المناضل/ اللاجئ السياسي الذي تزوج القضية .
ويبقى الأدباء أرقى وأحسن طبقات المجتمع . والأدب الإنســاني المتمثل في الأديب الحقيقي ، لا ينتمي لليمين أو لليسار، بل ينتمي للأنسنه .
ولا أميل إلى أشباه الأدباء الذين يطبّلون ويزمرون للسلطة . ولا فائدة ترجى من المؤتمرات الأدبية / السياسية التي تعتمد الإنشائية /.
والدها ، سهيل .
جدها ، فارس الخوري .
عشيقاها ، دمشق والتصحيح .
هواياتها ، العزف والغناء .
إبداعاتها ، الأدب الروائي .
منتوجها الأدبي ، كُتب بالعربية والفرنسية .
وهي شاعرة ، وقاصة وروائية وعازفة ، ومغنية .
وعاشت كوليت الغربة في وطنها ، إلى أن جاء التصحيح في السبعينات، وقام بترحيل الغربة من عالمها. وأعاد لها نشاطها الأدبي والاجتماعي والنيابي .
ورأت في نشاطها البرلماني شكلاً من أشكال الأدب والهواية والوجود الشخصي . وكانت اللعبة البرلمانية ممتعة في تاريخيتها . ودخلت اللعبة متأخـرة ، وخرجت منها مبكـرة ، لأنها تخلـصت من ازدواجيـة الشـخصانيّة والمواقف.
وترى أنّ المشاكسة تعطي أدباً وحياة جميلين ، والمهادنة تعطي أدباً وحياة رديئين .
والذيـن تزوجـوا السـلطة والقضية ، خســروا في نهايـة اللعبــة الذات ، والسلطة ، والقضية .
وخرجت كوليت من اللعبة شامخة ورافعة رأسها .
لأنّها أحبت ذاتها وأدبها ووطنها وجدّها ووالدها في مرحلة تاريخية ، لم تستطع خلالها الزلازل السياسية التي أصابت الـ /جيو-سياسية-عربية/ والرومانسيات الثورية، والمزامير السلطوية أن يفرضوا الإقامة الجيرية على أدب كوليت أو ضمها إلى مملكة الحزن والضجر والملل في مدائن الريح والمنافي ، بل بقيت كوليت ساكنة في قلب دمشق، ودمشق ساكنة في قلب كوليت .
ومثل أدبها ، بداية نهوض المرأة الســورية ، ولها مساحة عز واحترام في العالم العربي بعامه وسورية ولبنان بخاصة .
لها تاريخ من العز والكبرياء والشموخ ، والجرأة والصدق في قول الحقيقة وإظهارها . وهي حفيدة رجل وطني عظيم . ولها أحفاد يعتزون بها كما اعتزت هي بجدها فارس الخوري الذي قاوم الاستملاك الفرنسي لسورية وصولاً إلى الاستقلال الكامل .
وامتلكت كوليت حساً نقدياً موضوعياً وذوقاً أدبياً رفيع المستوى ، وإرادة صلبة للتخلص من حشويات الذاكرة ، والتحرر من التضامن السلبي مع فكريات التراث والمجتمع الراكد .
وهي من الدعـاة الأوائل ، لإقامة مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية ، وبقيت كوليت متشامخة ، تشامخ جبل قاسيون. وتفردت كوليت وغادة السمان، تفرد اللؤلؤة .
وشكلتا لوحة تشكيلية معبّرة عن الواقع والحلم العربيين .
ووظفتنا جدل اللغة بالواقع خدمة للإنسان وللحياة .
تبقى كوليت ضاحكة ، في مملكة يقطنها الحزن والضجر الدائمين .
ومتفائلة رغم الأزمات في تاريخية نخب سلطوية تخترق دائماً حرمة حقوق المواطنة . وهي في حياتها أغنى تشكيلياً من نصوصها . وهذه سمة متفردة تفوقت فيها كوليت على غيرها من المبدعات .
وكوليت بيتوتية ، ومتعـددة الهوايــات ، وطامحـة إلى أن تـكون صحفية ، ومزارعة ، ومربية للطيور وللحيوانات ، وعازفة وملحنّة ومغنيّة.
وهي عاشقة في جميع الفصول للطبيعة وللشعر ، ومدافعة عن المتعبين والمهمّشين في الحياة ، وفنيّة بصداقاتها ، ومتعلقة بدمشق وبيروت ، تعلق الطفل بأمه وبألعابه . وتقرأ كوليت ذاتها قائلة : " أنا عشر نساء في امرأة واحدة " .
وكوليت حالة فنية في سلوكها ويومياتها ونصوصها ، ومشيتها مشية الطفل في براءته وعفويته ، ومشــية الوطن في شموخه وكبريائه ، فالوطن يكبر بـ /كوليت/ وكوليت تكبر بالوطن .
ومن عينيها ، تهطل أمطار الحب والإنماء للوطن وللإنسان .
وفكرها ، يمثل عمـارة صلبة في وطن يبحث عن هوية وحرية ، ويستند على التشكيل الأسري .
وتشعر كوليت بالدفء الأسري الدمشقي . وتعتمد تقاليد الأسرة الشرقية. وتتواصل مع الأقارب والأصدقاء .
والحياة في أدبياتها ، بلا حلم وحب للوطن ، تصبح عبثية ومأسـاوية ، حيث لا وجود لإنسان حر في وطن معتقل .
والأسرة الحرّة في أدبيات كوليت ، تشكل اللبنة الأولى في مدماك بناء وطن حرّ ومستقلّ .
وتربت كوليت في بيت سياسي وأدبي من الطراز الأول ، وهي سيدة مدافعة بكل طاقاتها الأسلبية والحياتية عن المتعبين من أبناء وطنها وأمتها .
وهي متحررة من التمذهب والتحزبات الدينية منها والسياسية ، لأنها متحزبة للوطن لا للأحزاب .
والديمقراطية في فكريات كوليت وأدبياتها تمثّل حواراً عقلانياً ، واحتراماً متبادلاً بين طرفين ، يرفضان الضرب الكلامي ، أو الضرب بالكراسي .
وهي ترفض صناديق الطلقات النارية . وتؤيد صناديق الاقتراع السري. وتحترم المسـاءلة ، وحقـوق المواطنة ، والمواهب الإبداعيـة والكفاءات الفردية ، وأخلاقيـات العمل . وتميل أدبيات كوليت إلى عالم الإبداع والخبرات لا إلى البطاقات . وترى أن الاستبداد ينمو في مناخ الكلمة المعتقلة ، في حين تعشعش الديمقراطية في مناخ الكلمة الحرة .
وأدب كوليت يعوضها عن الموسيقا والغناء والرياضة .
وهي تمتلك قلباً عاشقاً ، وصوتاً دافئاً ، وقيماً نبيلة .
وكوليت لا تغني لمولود . بل تغني كوليت لـ /كوليت/ .
ولا ترتاح نفسياً للتيار الغنائي العائم على السطح .
وتمتلك إبداعات متقدمة في الغناء والتمثيل والعزف .
وهي شخصية موهوبة في نصوصها وحياتها ، ومهذبة بالفطرة والتربية .
وترفض نظرية الغائية ، الفنّ للفنّ ، والأدب للأدب ،لأن الفنّ يتعلق بالإنسان والحياة والأرض .
والكتابة في أدبياتها تنبع من الذات ، ولا تفرض من الخارج .
ويرتبط تحرر المرأة في أدبيات كوليت ، بوعيها ، وإرادتها الصلبة ، وتحمّل مسؤولياتها التاريخية ، ومصالحة جسدها في الهواء الطلق والساحات العامة .
ولا تستطيع كوليت في نصوصها وحياتها أن تحبّ إنسانين في لحظة واحدة .
وهي ترفض تبعية المرأة المطلقة للرجل . وتقوم بالتوليف بين نصوصها وحياتها ، بحيث لا تستطيع أن تجد فارقاً بين الاثنين والموقفين .
وأدبياتها ترى في تقدم المرأة ، عاملاً أساسياً لنهوض المجتمع وتقدمه .
وإن تقدم المرأة والرجل يساعدان على بناء وطن وأمة متحررين .
" والأدب في أدبياتها، ليس هواية أو حرفه " بل حاجة للتنفس وللراحة النفسية ، وللاطمئنان الذاتي " .
وتقوم كوليت في نصوصها برصد شخوصها وأبطالها كاميراتياً ودينامياً لتأسيس واقع مريح وجميل .
وأدبياتها تعتبر عذرية المرأة شكلاً من أشكال اعتقال النشاط الاجتماعي الحرّ للمرأة ، لأن بقاء نصف الوطن والمجتمع خارج النشاط الاجتماعي والأدبي والسياسي هو شرف وهمي يشلّ القدرات الإبداعية للأنا الفردي والأنا الجماعي" .
ولا تصرخ كوليت بصوتها ، بل تصرخ بأناملها وبنصوصها .
والأدب الكوليتي " هو وسيلة لتأمين الذات وعشقها ، وحب للوطن وللإنسان ويعطي لأبطاله من الجنسين ، بعضاً من سمات كوليت الشخصية ، والإبداعية، والإنسانية ، والنجومية . وكوليت متعصبة في يومياتها ونصوصها للمرأة العربية المتحررة ، وللرجل العربي المتمدن لأن الأدب الـ /كوليتي/ يعتبر الأدب أنقى وأرقى وأبقى من السياسية ".
وأدبيات كوليت تعتبر طبيعة المرأة أقرب إلى السياسة من الرجل ، لأنها تملك مرونة عالية المستوى في التعامل مع الناس ، وحساً إنسانياً وسلمياً أكثر من الرجل ، والمرأة أصلب عوداً وفكراً من الرجل .
" لأنها أم حريصة على الوطن الذي هو ابنها وزوجها وشرفها " .
وتعلّقت كوليت إلى درجة العبـادة بأمّها دمشق ، الأم التاريخية والأم الحياتية .
وأثبتت كوليت حضورها الأدبي والحياتي ، ومساواتها بالرجل ، لأنها أدبية من طراز خاص ومتفرّد .
ولا تعترف كوليت بوجود أدب نسائي وأدب رجالي . إنها تؤمن بوجود أدب أو لا أدب .
وتعتبر كوليت تياراً مستقلاً ومحترماً . وهي يقظة وجريئة ، وسيمفونية الفصول الأربعة ، ومعجبة بفاتن حمامة .
وكوليت سيدة محترمة وفاعلة في جمهورية الأدب .
واخلص صديقات كوليت ، هن صديقات طفولتها في الحي والمدرسة .
وأنموذجها في الشعر هو نزار قباني الذي أحبها وأحبته .
وأحبت كوليت الوطن ، ودمشق ، ونزار قباني . وصلّت من أجله لإعادة عافيته الصحية والشعرية ، لكن الموت عانقه ، وفرح برحيله ، المرضى والمشوهون.
وكوليت تقرأ كل إنتاج أدبي جديد . وهي لا تندم على شيء حدث البارحة. ولا تنام دون قراءة يومية. وتكتب كوليت عن اللحظة والحلم .
ولا تكتب عن البارحـة والبارحـات والماضــاويات ، لأن البارحة تمثل في نظرها ، العبرة فقط .
ولا تميل مطلقاً إلى بعث الذاكرة الماضوية ، وتذكاراتها المأساوية .
وهي ضد البكاء على الأطلال ، ومتحررة من علاقات المجتمع الراكد ومخيلته ، لأن الأدب الـ " كوليتي " يرى أن المتخيلة التاريخية " تعيد إنسان اللحظة إلى ممارسة أبشع أشكال العنف والحقد والتعصب ، ولا تؤسس مجتمعاً مدنياً حرّاً " .
وهي تسعى في حياتها ، وبكل إمكانياتها الأسـلبية إلى تأسيس جيل عربي جديد ، يرفض البارحة والمراوحة والسـوداوية ، لبناء واقع حياتي ، وحلم جميلين . ولا تقرأ كوليت ما كتبته البارحة .
وهي تشطب على الفكر المختزن في ذاكرتها ، عندما تبدأ بكتابة نص جديد.
حصلت كوليت على الشهرة الأدبية ، من أول نص أبدعته " أيام معه". وبيروت في نصوص كوليت وحياتها وذاكرتها تمثل نكهة الشرق والغرب معاً. قامت بالتوليف بين النكهتين ، ومن التوليف صنعت كوليت عالماً جميلاً .
وهي حالمة بامتلاك حديقة صغيرة لتربية الطيور والحيوانات ، وإقامة روضة للأطفال ومشفى للمعوقين .
وكان حب دمشق قاسماً مشتركاَ بين كوليت وجدها فارس خوري ، حيث تماهى الاثنان في حب دمشق ، كما يتماهى المتصوف في عبادة ربّه .
وأدبيات كوليت تعتبر" الحب موجوداً ومعشعشاً في الأرض والثورة والبحر والإنسان والمرأة ، لأن الحب هو عطاء وخير وبركة وإبداع . ويساعد على تنامي الذات الحرّة المبدعة " .
وترى في الحب شباباً متجدداً ، ويتدفق حيوية ونشاطاً ، تدفق مياه نهر دائم الجريان ، وفي الزواج ، نوعاً من المصالحة مع المجتمع ، والذي يقيد حرية الفرد المبدع ، ويؤدي إلى انكسار الحلم البشري ، ويحوّل التفاؤل إلى إحباط وخيبة أمل ، في قصر أو كوخ " .
وترى كوليت أن " التواصل بين الجنسين يرتبط بالتربية الراقية ، والوعي السليم ، وتحمّل المسؤولية ، والجدية في مواجهة متاعب الحياة ، والعمل على مصالحة الفرد مع جسده " .
وظلت كوليت طيلة حياتها عاشقة لذاتها ولدمشق وللأدب وللشعر النزاري. وتحترم المواهب الفردية التي تتنامى في ظل حزب ومؤسســة وجمعية . وتودع كوليت عام 2001 قائلة : " دمشق كادت تختنق قبل السبعينات في القرن الفائت ، لأن بعض أصدقائي مُنعوا من السفر أو وضعوا في السجن أو عاشوا حياة الغربة والمنافي .
وأنا متفائلة بالمستقبل ، ووطني أحسن وأحسن .
وأنا مؤمنة بالقومية العربية ، وأطالب بالحرية ، وإلغاء نظام الطوارئ وأؤيد سياسة الخطوة خطوة لا العجلة والتسارع في إقامة المجتمع المدني. ويمثل بيتنا منتدى أدبياً ومحجّاً للقادمين ، وطالبي المعرفة .
أما الزمن ، فهو اله جبّار يتحكم بالناس .
وأخشى فتور الهمة، وضعف الطاقة.
ولا أحب الألقاب ، لأنني ملكة ، وعرشي حروف وكلمات .
وأنا أبارك الناس على إبداعاتهم الفكرية لا السلطوية .
واحترم الرأي الآخر . ولا أتهم من يتناقض معي بالعمالة .
والوطنية ليست حكراً على حزب أو شريحة اجتماعية وجنس .
والجمال عندي مساحة وتعبير، وليس مقطعاً من مقاطع الوجه والجسد.
وارغب أن أحافظ على أنوثتي ، رغم قوتي الداخلية .
وأكره الحشو . وأحب الاختزال في الكلمات والجمل" .


نوال السعــداوي
صوت الاحتجاج
نوال السعداوي ، وأحلام مستغانمي ، وفاطمة المرنيسسي المغربية ، وتوجان الفيصل الأردنية ، وكوليت خوري ، وسعاد الصباح ، وليلى العثمان ، وغادة السّمّان ، والشاعرة الناقدة المصرية فاطمة قنديل ، والكاتبة الكويتية فاطمة العلي، والسيدة فريدة النقاش المصرية ، العلمانية ، والرافضة للأصوليات المتحجرة ، وهدى عبد الناصر التي ورثت عن والدها ( الكرامة ) ترى أن المستقبل العربي للجنسين يؤسس على التكنولوجيا ، وذاكرة الأمة . وجميعهن يمثّلن أصواتاً أدبية احتجاجية على المجتمع الأبوي الذكوري الذي همشّ دور المرأة العربية والإسلامية، وجعلها خارج التاريخ لعدة قرون ثم بدأت في اللحظات الراهنة تدخل التاريخ من بابه العريض.
تأثرت نوال السعداوي بفلسفة التصوف الاشراقي التي تعمل على تأنيس الإنسان والدين , وتعتبر العقل ، الحكم والفيصل ، والطريق الوحيد إلى المعرفة وإثبات الحقيقة (( لا شيء يهزم الجنون أو الموت إلا الكتابة )) .
وقدمت مشروعاً للحوار بين الجنسين ، وبين الحاكم والمحكوم بعيداً عن التعصب والتفوق والكراهية .
وتعمل السعداوي بكل طاقاتها الأسلبية والمادية على نهوض المرأة ، ونقلها من التبعية إلى السيادة المعادلة لسيادة الرجل .
وهي أول امرأة عربية معاصرة تفضح بجرأة لا مثيل لها ، الظلم الاجتماعي والسياسي الواقع على المرأة من قبل ذكورية الشعب والسلطة ، والظلم الواقع على الأكثرية من الجنسين معاً . لأنها ترفض كل أنواع القهر الجسدية والسياسية والاقتصادية .
ولا تهادن مطلقاً المؤسسات الدينية /السلطوية/ الحزبية وأدلجاتها الفكرية. لأنها تنتمي إلى عالم الحب والحرية والعدل .
وهي ضد المجتمع الأبوي الاستلاطي ، والأمومي الاستسلامي.
وتنتقد مؤسسة الزواج المعرقلة للإبداع وللحرية . وإن شـعباً يعتقل نصفه لا يعقل أن يكون حرّاً كما تقول السعداوي ، التي اعتقلها أنور السادات ومعها ناصريات ، وشيوعيات ، ومتحجبات ، وأُطلق سراحهن في عهد حسني مبارك. وقدمت الســعداوي إلى محاكم التحقيق بمصر عدة مرّات بتهم وجهت إليها من قبل الأصوليين .
تهاجم السعداوي الدكتاتوريات الدينية منها والعسكرية والثورجية .
وتنتقد بشدة عملية الختان للجنسين معاً .
وترى في العري الفاضـح ، والحجـاب المغطي للوجه ، وجهين لعملة واحـدة ، حيث تعتبر وجـه المرأة المحافظة سلعة مختبئة ، ووجه المرأة العارية ، سلعة مكشوفة .
وترفض تعظيم العظماء ، وتأليههم ، أكانوا حكاماً أم شعراء أم فنانين .
وفي منفـاها الاختيـاري بالولايـات المتحـدة ، أحبت السعداوي مصر كثيراً ، وأحبت أولادها وأحفادها أكثر. ورغم اعتراضها على أجهزة عبد الناصر فإنها تعترف بأن جمال عبد الناصر عمل بكل طاقاته لجعل الفقراء أغنياء في معنوياتهم ، ومقبولين في مادياتهم .
ولا تحب جائزة نوبل للسلام ، لأنها تراها جائزة مسيّسة أكثر مما هي جائزة أدبية.
تُعتبر شـيرين المحامية الإيرانية أول امرأة شرقية مسلمة تمنح جائزة نوبل /NOBLe/ للسلام لنشاطها المتميز في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل والإنسـان ، واسـتنكارها لسياسـية الإرهـاب وقتل الأبرياء ، تقول السعداوي: " الأديب الذي لا يتنازل عن شيء ما، لا يحصل على جائزة نوبل".
وترفض العقل الغربي أو الشرقي الذي يسمي المرأة باسم عائلة زوجها .
وترى الرجل الشـرقي في تربيته ، وتكوينه العقلي والحياتي يعشق الاستبداد ، وهو يمارس كل أنواع الاستبداد في مهنته وعلاقاته الأسرية والاجتماعية والحزبية والسياسية .
وتدعو إلى تحرير المرأة في المجالات السياسية /الجنسية/الاقتصادية. وترى في البرلمانات العربية ، يافطات ، وشكليات للديمقراطية ، حيث لا توجد امرأة فاعلة في المؤسسات المدنية والسلطوية المستقلة منها والمدجّنة .
السعداوي ليست رومانسية أو ماركسية أو وجودية أو ناصرية ، بل هي واقعية دينامية ، وجريئة في آرائها ومواقفها ، ومتفائلة في أدبياتها ويومياتها .
تهاجم الرجل الشرقي الذي يجمع زوجتين في وقت واحد ، لأنها مع الزواج الأحادي ، ولا تميل إلى الألقاب والتطبيل والتزمير.
لها مؤلفات عديدة وكثيرة . وهي فخورة بترجمة منتوجها الأدبي والفكري إلى أكثر من /30/ لغة .
لا تحب السعداوي أن تكون مسؤولة في مؤسسات الدولة ، بل تطمح إلى تأسـيس منظمة أنثـوية غير حكومية /NGO/ لتحرير المرأة من سيطرة الذكور ، وتحرير الجنسين من الظلم الواقع عليهما أكان سـياسياً أم اقتصادياً أم لونياً .
وهي فخورة بأنها امرأة عربية علمانية ، وغير نادمة على أفعالها الماضوية . وهي من أصول ريفية وإسلامية متنورة .
وتعمل السعداوي الناشطة في حقوق الإنسان على إلغاء قانون الحسبة والمحتسب في مصر، والذي يمثّل في نظرها السيف المسلّط على رقاب المبدعين من أدباء وفنانين ومفكرين .
وتعتمد أنسـنة الطب قائلة : (( ليس الطب سلعة . وليس النجاح مالاً وشهرة . الطب هو أن أمنح الصحّة لكل من يحتاج الصحّة ، بلا قيود ، ولا شروط )) .
وفي حين اعتمدت المصالحة بين الأنثى وجسدها ، فإنّها رفضت المصالحة مع مجتمعها الركودي ، معتمدة في ذلك على قوتها الذاتية ، لإثبات وجودها التاريخي تجاه الجنس الآخر .
فيـــروز
الواقع والحلم
الرحابنة ، كلمة ولحن وغناء ، اعتمدوا الجدل، جدل اللغة بالطموح والأمل.
وهم ذاكرة وتاريخ وحياة ، وبشر حقيقيون وإنسانيون . أبدعوا في التأليف والتلحين والغناء .
يقول نزار قباني: (( فيروز أعطت نكهة الحضارة للقصيدة
وأم كلثوم أعطت الجلالة والفخامة للقصيدة
وماجدة الرومي أعطتها شفافية النقاء والثقافة )) .
أحدث رحيل عاصي فراغاً في موسيقا الرحابنة . وحاول منصور إكمال المشوار وملء الفراغ . وجاء زياد لتوسيع خارطة الرحابنة ، والعمل على تجديدها وتحديثها.
لم يدخل الرحابنة عالم السمفونيات ، بل بقي مسرحهم غنائياً واستعراضياً خلال المهرجانات .
قام بالتوليف بين الرومانسية والواقعية ، والترييف والتمدين ، والتمدن والماضي والحاضر ، والواقع والطموح ، وبطل النص وبطل الحياة .
خلال الحرب الأهلية اللبنانية المأسـاوية في الربـع الأخيـر من القرن الفائت ، بقي مسرح الرحابنة رمزاً للبنان الحر، وللتآلف بين سكانه ، وللإخاء بين فئاته ، وشرائحه وتلويناته .
وأينما حلت فيروز ورحلت ، حملت بجعبتها الماضي والذاكرة والتاريخ. ولدت فيروز في بيئة ريفية من عائلة متواضعة ، كانت سـعيدة جــداً. ولم تكن تعرف الزعل في طفولتها وقريتها . ولم تكن تعرف الكهرباء والسيارة. وكانت تذهب إلى نبع الضيعة لجلب المياه . تذهب وتغني وهي وحيدة . وتلعب فيروز مع فيروز لا مـع أطفـال الضيعـة . ولـم يكـن يوجد راديو في بيت أهلها ، وكانت تستمع إلى الموسيقا والأغاني عند بيت الجيران .
تعلّمت فيروز الأناشيد والموسيقا في مدرسة الراهبات ، وحياتها كانت رائعة ومريحة ، وطفولتها كانت سعيدة ، وضيعتها جميلة .
أحبت فيروز طفولتها وجدتها ، ولم تكن طفولتها تعرف الهموم والأحزان. وقد عرفت الفرح ، وأحبت الطير والدير، والنبع ، والشجر، والطريق، والقمر. وكانت الأعوام تمضي بسرعة ، لأن فيروز كانت تعيش الفرح الدائم . ولم يكن لها في حياتها وذاكرتها ، أصدقاء وصديقات .
وفي بداياتها الفنية ، غنت فيروز في كورال الكنيسة ، والإذاعة اللبنانية. وتعرفت على عاصي داخل الإذاعة .
وكان نظام حياتها شبيه بنظام جرس الكنيسة ، ويتكرر يومياً ، ويعيد ذاته (أغنية داخل الإذاعة – طريق – بيت) وهي تعرف الطريق والشجر أكثر مما تعـرف البشــر. وتركت عملهـا في الإذاعــة اللبنانيـة تلبية لرغبة عاصي ، وتزوجت منه 1954.
وكان عاصي وفيروز متلازمين تلازم الظل لصاحبه ، والرضيع لأمه. وكان الفن هو شغلهما الشاغل ، ليل نهار، وهو حياتهما الخاصة والعامة .
وكان عاصي صعباً وقاسياً في التعامل مع فيروز في حياتها ونصوصها . ولم تكن فيروز تختار فعلها . ولم تضع برامجاً ، كان عاصي هو الذي يختار (الاجيندا) لفيروز . لأن عاصي لم يكن مهتماً باللاءات الفيروزية . واستطاع عاصي وفيروز خلق موجة فنية جديدة ضد الموجة القديمة ، وتختلف عن الجملة العربية السائدة .
ووجدا صعوبات وتحديات . واثبتا حضورهما الفني في نهاية المطاف. وتابعـــاً طريق الفلاح . واجتازا المرحلة الصعبة ، وأكملا طريق الفن بنجاح كامل .
وعملا ليل نهار، وفي الضوء والعتمة ، لإنجاز شغلهما. المستمر داخل الاستديو . ووسعا شغلهما . وانتقلا إلى المسرح . واعتبرت فيروز شــغلها أهم من العبادات .
وكانت تهرب من الناس ، وتمكث وقتـاً طويلاً في بيتها . وهي ميالة إلى أن يسمع الناس أغانيها ، لا أن يروها ويتحادثوا معها، لأنها عاشقة للشهرة والوحدة.
وتألق نجم الرحابنة على مسرح بعلبك ، كما تألق المسرح على يد الرحابنة .
وجملة فيروز المألوفة لعاصي (( أنـا لا أعرف التكـلم ، ولا أعرف المشـي ، ولا أعرف التمثيل )) لم تجعله مهتماً بجملة فيروز اللاأدرية واللاعارفة .
وانتقلا إلى السينما ، ونقلا معهما الأشياء الجميلة ، والجغرافية ، والإنسان، والطفولة ، والضيعة ، وجبل لبنان والمطارح ، والذكريات، والبطولة الفردية والشعبوية .
وكانت أغاني فيروز تستوحى من مشاعرها وقيمها ، وتمثل نفسيتها ورغباتها وطموحها وذاكرتها وأخلاقها .
كان عاصي يستعمر فيروز بطريقة محببة إلى قلبها.
وفي رحلات الثنائي /عاصي - فيروز/ إلى البلاد العربية والغربية ، وجدا تجاوباً من الجمهور.
وعندما عانق الموت عاصي الرحباني في 21/6/1986 أصيبت فيروز بالمرض وشعرت بالخوف من الغد المجهول ، وعلى أحوالها بالذات ، وبالشغل. وكلما كانت فيروز تغني في مطرح ، كانت تشعر بوجود عاصي إلى جانبها .
ولقد أتعب موت عاصي ، السـيدة فيروز ، كما اتعبت الحرب ، أغانيها وذاتها معاً.
خرجت فيروز من عزلتها ، وغنت في ســـاحة الشهداء اللبنانية 1994 " سنرجع يوماً إلى حينا . سنرجع مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا "
وعندما غنت فيروز على مسرح بعلبك 1999، شعر الإنسان العربي بدفء الحياة، وبولادة جديدة، وبسلم أهلي ، وبفرح دائم، وبإخاء صار واقعاً ، وبحرب دفنت إلى الأبد .
وتربعت فيروز على عرش المسرح لثلاثة عقود من الزمن . والرحابنة الذين هم صوت، وذاكرة ، وحياة ومواقف شغلوا أمة العرب نصف قرن من الزمن.
واتسم مسرح الرحابنة بالحداثة الشكلانية وبالجدية وبالصوفية وبالمثالية وبالرومانسية المناغمة للسياسة الاجتماعية ، وتمحور حول البطولة الفردية الشعبوية ، واسقط من أدبياته ومسرحه البطولة السلطوية .
وعمل مسرح الرحابنة بجدية على تغيير الكلمة ، والجملة العربية . واعتمد جـدل اللغة بالطموح غالبــاً وبالواقع أحيانا . ورفض التدجين ، ومغازلة السلطة ، ومبدأ الربح والخسارة .
وهو مسرح غير مقاوم للسطلة ، ولكنه مسرح غير مهادن لها . فرض حضوره واحترامه على الإعلام المسموع والمرئي معاً .
وفي الستينات عاش العالم عصراً ذهبياً ، كما عاش مسرح الرحابنة عصراً فكرياً وإشراقياً .
وأعطى شهرة عالمية للجبلين " جبـل الشـيخ وجبـل لبنان" وللعاصمتين " بيروت والشام " .
وشكل مسرح الرحابنة عالماً مستقلاً في الغناء الاستعراضي بأفراحه وانتصاراته وهزائمه .
وتحرر مسرح الرحابنة من قواعد الملل والتكرار والنواح والتأوهات والمطولات الغنائية والموسيقية . وفيروز أصبحت إمبراطورية المسرح الاستعراضي الغنائي العربي من خلال صوتها الجذّاب، وفرادته المتميزة .
وحول زياد والدته من نجمة في السماء إلى نجمة أجمل على الأرض .
توقف مســرح الرحابنة على فردية فيروز. وكانت البداية والنهاية . وبقيت ظاهرة فريدة ، ومستحيلة التكرار.
وفيروز تغني في الصالات والســــاحات والهواء الطلق ، لأنها تحترم ذاتها ، وجمهورها ، وفنهّا ولبنانها .
وموسيقا الرحابنة مستوحاة من ألحان كنائسية شرقية ، وتراتيل تراثية سريانية وآرامية ، ومن ثم حولوها إلى ألحان إحيائية .
لقد اطّلع الرحـابنة على السمفونيات العالمية بعامّه وباخ بخاصّة . وترجموا الألحان الغربية ، وقاموا بتوزيعها وتلحينها على آلات شرقية جديدة . وهذا التركيب الجديد جعل من أسرة الرحابنة مدرسة عبادية /طقسية/ مستقلة/ متفردة في موجوديتها وجوهرها وتعابيرها .
وقدمت فيروز تصويراً رائعـاً لجماليات صوتها بأرقى وأجمل صوره . وجعـل صوت فيروز برنينه الجذاب والآثر ، السـامع يتماهى به إلى درجة العبادة ، ويماثل تماهي المتصوف بعبادة ربه .
وشكل صوت فيروز واللحن وكلمات الأغنية ثلاثية متكاملة ومنسجمة .
ولاقى الثلاثي قبـولاً من جميع الشـرائح الفئوية والطبقات الاجتماعية . وكان سـباقاً ومجدداً في التلحين ، والتوزيع ، والأفكار، والكلمات ، وقصر الأغنية ، والتكثيف الموسيقى .
واستخدم الرحابنة آلات موسيقية جديدة . وخرجوا من القالب التكراري إلى قالب تجديدي وحيوي .
والفريق الثلاثي الرحباني هو فريق عمل متكامل ، وأرضى كل عشـاق فيروز . وشـكلت فيروز قطباً أسـاسياً في جمهورية وجمهرة المسرح الرحباني ، وهي مدرسة فنية مستقلة ومتجددة ومتجذرة في التربة العربية بعامّه وفي التربة السورية واللبنانية بخاصّه . وأحدثت المدرسة الفيروزية تطوراً في الفن الشـعبوي بترقيته إلى فن نخبوي ، ونبيل في موسيقاه وطموحه .
وغنى الصوت الفيروزي للأرض وللذاكرة ، وللتاريخ . وغنّى لكل شيء أصيل وجميل وحقيقي ، ولم يغنّ للمستر دولار ولا للمستر مناصب .
واللبناني المقيـم في مدائن الريـح والمنـافي عندمـا كان يسمع أغاني فيروز ، يتذكر لبنـان ، وأهله وأصحـابه ، وعلى التـو يقوم بحزم حقائبه الفكرية ، ويستعد للرحيل وللعودة إلى لبنان .
في مملكة فيروز الطامحة والرومانسية والمثالية ، يصبح الحاكم محكومـاً والظالم يصبح مظلوماً ، إنها مملكة المأســاة ، والملهاة في لحظة واحدة !
انتقل مسرح الرحابنة من براءة وعفوية الريف اللبناني إلى التاريخ ، عبر نقد فنّي للواقع بمؤسساته الأهلية منها والرسمية ، والتحتية والفوقية .
أما زياد الرحباني الساخر، والذي يتمتع بشخصية دينامية وفنية عالية المستوى ، فقد أعاد لأغاني فيروز الجديدة والقديمة حيويتها وفتوتها من خلال ألحانه الجديدة .
وأعادت فيـروز اللؤلؤة الفنّية ، للإنســان العربي ، هويته الفنيّة والثقة بذاته ، وهي حورية في صورة أنسية . وتمتلك ضميراً حياً متوقداً ، وموقفاً نبيلاً من الإنسـان والوطن والتـاريخ وحروب التحريـر. وعلى إيقـاع أغنية فيروز " خبطت آدمْكن على آرض هدّارا " في حرب تشرين 1973 ، تمّ تحرير الجولان .
وأفضل فن درامي مسرحي غنائي عرفه القرن الفائت ، هو فن الرحابنة الذين أنزلوا الفن من برجه العاجي الاسـتقراطي إلى الشـعبوية ، ووضعوه في خدمة الإنسان والحياة . وأبعدوه عن المغريات ، وعن مبدأ الربح والخسارة والمجاملة ، وحولوه إلى تراث عربي محترم .
وأضافت فيروز إلى الأغاني التي ألّفها ولحّنها الرحـابنة ، مشــاعرها النبيلة ، وأحاسيسها الإنسانية ، وصوتها الدافئ الذي يجعلك تحب ذاتك والوطن والحياة .
والرحابنة في مسرحهم الاستعراضي الغنائي نراهم يزرعون التفاؤل والراحة النفسية ، ومحبة الوطن ، والثقة باللحظة الراهنة وبالقادم في جغرافية سياسية عربية تتسع فيها الهوة بين الواقع المعمول به السوداوي والإحباطي ومشروع الرحابنة الحالم والمتفائل .
ودّعت فيروز الألف الثانية قائلة : " هــذا عصر الاختراعـات والاكتشافات ، مليان بالحروب والعذابات ، ومآسي الشعوب . أتمنى في الألفية الثالثة ، السلام . خلو العالم يرتاح " .
يقول منصور الرحباني 2004 عن الأخوين رحباني : (( ربتنا جدتي أنا وأخي عاصي تربية جبلية صرفة . امتزجنا بالطبيعة . كان الوالد يعزلنا عن الناس خوفاً من الأفكار الشريرة . درسنا الموسيقا الغربية ، والموسيقا الشرقية . تأثرنا بمحمد عبد الوهاب . أحببنا الشيخ درويش . انفتحنا على بيتهوفن وموزارت . كتبنا الشعر الشعبي والفصيح ، وكنت أنا وعاصي ولوعين بالشعر . حفظنا الكثير من الأغاني القديمة والأشعار العربية . شعرنا بأن جذورنا راسخة في تراثنـا ، وفي أرضنـا . وكتبنا للبناننـا . وكتبنا أشواقنا ، وإذ بنا نكتشف أن ما كتبناه يعبر عن مشاعر كل الناس . واكتشـفنا أن المحلية هي أول الطريق إلى اختراق كل أفق ، وإلى الإنسانية جميعها )) .
العاشقون في الأغاني الفيروزية يرسلون النظرات / يغازلون / يحبّون / يقبلون بعضهم من بعيد ، ومن وراء الجبال ، والشبابيك ، وآثار كتابة أسماء العاشقين على ذرات الرمال .
العاشق البطل الفيروزي يخشى الضوء والمقاربة . ويحب العتمة والمباعدة وهو بطل متموج في مدّه وجزره ، تقدمه وتراجعه ، ومتردد في الحضور والغياب ، للقاء الحبيب أو الحبيبة . والحب عنده سيل جارف من المشاعر والعواطف ، ومداه وحجمه البحار والسماوات .
والقبلات النارية بين العاشقين ، لا تطبع على الشفاه والوجنات ، بل تطبع عبر التذكارات والتحيات والكلمات والأشعار ، وفي البعيد البعيد لا في القريب القريب ، حفاظاً على ديمومة العاشقين والحالمين .

ظبيــــه خميس
الشاعرة الناقـدة
من دولة الإمارات العربية المتحدة ، والإنسان الموهوب في معيارها يعاقب من السلطة والفوغاء على إبداعاته . ويعيش الاغتراب والاستلاب في وطن الذاكرة ووطن المنفى ، ويقضي حياته متأزماً وقلقا ، لأنه يركز على العام وينسى ذاته وحيـاته . وفي نهايـة اللعبة يخسر التزامه الثوري ، وحياته الخاصة ، في مجتمع ركودي يرفض مؤسسات المجتمع المدني ، والمنظمات غير الحكومية .
وترفض / الشاعرة الناقدة الأدلجات التي تعتمد الخلودية ، الدينية منها والسياسية . وتعمل الشاعرة على تكييف الواقع الراهن مع النصوص المعاصرة والحداثوية . وتعطي للمفردة الشعرية حجمها الطبيعي بلا تعملق أو تقزّم . وتدعـو إلى تأسيس الأنـا الفردي والأنـا الجمـاعي خدمـة للموضـوع المعتمد ، وللقضية المطروحة .
تقول ظبية (( لقاء الذات، أصعب بكثير من منبر الخطابة بين آلاف الذوات الأخرى . وإن هدهدة الروح لأرواح الآخرين ، أشد عناء من الإنشاء الصاخب لأرواح الآخرين )) . (40)
وتعتمد الحداثة التي تقيم جسوراً للتواصل بين الأدب وجمهوره . وترفض القطيعة بين القصيدة والجمهرة . ويستوجب الواقع المتغير والمتجدد إلى تغيير وتجديد مستمرين في النصوص الأدبية .
ولا تدعو خميس إلى تنامي الأسلبة الأدبية المتمثلة بجدل اللغة باللغة بل تستخدم جدل اللغة بالحياة المعاشة والواقعية .
الأنثى في غالبية النصوص الشعرية ، لم تكن سوى معشوقة ومحرضة لإبداع الشعراء في معيار الشاعرة الناقدة . وفي أرقى الحالات تمثل مروراً عابراً في مخيلة الشاعر الذي يربطها بشكل رمزي/ إيحائي بالأرض والوطن والثورة . وقد حـاول الشــاعر محمود درويش (( أن يحول المرأة من طيف مبهم ، إلى حالة إنقاذ وجداني وشعري ، لملء الفراغ المباغت للقصيدة الملتزمة )) .
تقوم الشاعرة / الناقدة بإجراء مقاربة ومقارنة بين شاعرين مجددين القباني ودرويش ، في محاكات كل منهما للأنثى (( المطارد في بلده مطارد أيضاً في كل مكان آخر من العالم ، ولا ينقذه سوى صمته ، وفقدان الذاكرة ، أو ولاؤه المعلن للجميع ، دون شروط .
وكان نزار قباني يستعير صوت الأنثى بشراسة العارف بأحوالها . أما محمود درويش فإنه يستعير صوت الأنثى كطفل تائه متلعثم الخطوات كي يرتدي أردان امرأة لم يلج تمـاماً إلى عالمها الخاص في الماضي الذي أخذته فيه الخطوات إلى منابر الاحتجاج والثورة والمنفى والحنين إلى قهوة أمه .
ويخترع محمود درويش امرأة تحلم به وينطق باسمها في قصيدته ، لا أقل ولا أكثر، عير أنه يفشل .
ويكرر المحاولة في أغنية زفاف وفي تدبير منزلي ، ولكنه رغــم التكرار لا يستطيع استحضار قدرة نزار قباني على ذلك . ويظل الصوت المستعار للمرأة واضحاً ، وناقصاً وغائباً في حنجرة محمود درويش الشعرية الأنثوية .
وقد يطرح آخرون رؤية أخرى لحالة محمود درويش في ديوان سرير الغربة 1999، وكما فعلوا في الماضي ، سيجعلون من أنثاه وطن الجغرافية وقضايا الشعوب ، لكن لا يمكن للمخيلة السائدة ، أن تقبل فكرة تحول شاعر القضية إلى شـاعر يبحث في شــؤونه هو ، هواجسه ، ومفقوداته الشخصية ، وأطياف كوابيسه ووحشته كرجل وإنسان )) . (4)
وهذا التباين في فهم الأنثى وطريقة التعامل بها ، ترجعه الناقدة إلى مخزون ثقافي معرفي تراكمي، حيث كان نزار قباني قديم العهد في معرفة وسبر بواطن المرأة .
لأنه كان مع الذات والحياة والمرأة . وأما محمود درويش فقد كان حديث العهد في معرفة جوانية المرأة ، لأنه تزوج القضية مبكراً .
وعندما ضاعت القضية ، ضيّع ذاته ، وتغيّر نهجه ، وعاد متأخراً لتوظيف نصوصه الشعرية لصالح الحياة والذات والمرأة .
الشاعر درويش يرفض أن يكون شعبه بطلاً أو ضحية ، بل إنساناً عادياً يتعايش مع الآخرين ، ضمن وجودين مستقلين .



ماجدة الرومي
صوت الغناء الأوبرالي
دبلوماسـية مـن الطـراز الرفيـع في طريقـة تعاملها مـع الواقع الاجتماعي/ السلطوي ، وهي حريصة على مجانبة النقد السلبي للوسط الفني .
تقول ماجدة الرومي عن ذاتها : " أنا لبنانية الأصل وأعتنق الكثكلة " . وسواء كانت أسرتها فلسطينية من حيفا أو لبنانية من مدينة صور، فهي عربية الانتماء والموقف . أحبّت بلاد العرب بعامّة ، ولبنان ومصر والجزائر بخاصّة .
وخلال الحفلات التي أقامتها ماجدة في الجزائر كسرت جدار الخوف والتردد الذي أسسه إرهاب الجهلة والقتلة .
وفي أوائل السبعينات ، دخلت عالم السينما مبكراً .
وتزوجت من أنطوان ، وغنت بالفرنسية والإنجليزية والعربية .
وهي أول فنانة عربية تعيّن سفيرة للفاو ، للتخفيف من آلام الفقر والجوع والبؤس في العالم . وأقامت علاقات ودية وفوق العادة مع دبلوماسيين ورؤساء وملوك عرب .
وتعتمد التعددية وتنوع الملحنين في أغانيها ، وأول اسطواناتها كانت أغانٍ رومانسية ، وصوتها قابل لمواكبة آلات موسيقية شرقية وغربية .
وغنت لشعراء معروفين :" نزار قباني- محمود درويش-إنسي الحاج- سعيد عقل " .
وغنّت للجنوب ولقانا ولشعراء مغمورين .
وحملت في أغانيها الوجع الإنساني ، والجرح العربي .
غنّت على مسارح لبنان ، وفي قرطاج وجرش ومسرح القصر الملكي الأردني ، أيام الملك حسين بن طلال .
نشأت ماجدة ، وتربت في جو أسـري فني . وتعلمت من والدها حليم الرومي ، إرادة الحياة والشجاعة ، رغم مرضه الدائم . وهي محظوظة في طفولتها ، لأنها انتمت إلى عائلة تمتهن وتهوى الغناء والتلحين. وهي متفوقة في نصوصها الغنائية الأوبرالية .
وماجدة البيتوتية هادئة ، ومتوازنة في يومياتها المعاشة ، تقوم بتوأمة الفن والحياة ، وبالتوليف بين التفوق والتوافق ، والهدوء والانفعال، والبساطة والشموخ . وهي طاقة حيوية للحب وللغناء معاً. وترفض مسايرة ومجاملة التضامن السلبي مع الآخرين .
وتحب الحقيقة والصـدق ، وترى أن العنف يفـرّخ في مجتمع بمنع المسـاءلة ، وحقوق المواطنة ويعتقل الكلمة الحرّة .
وماجدة مصممة على أن تغنّي قصائد نزار في المرأة والحب والوطن والثورة والسياسة قائلة :" قصائد نزار تبقى فتية، ولا تشيخ مطلقاً، وتمتلك أسباب البقاء والخلود، وعندما تغنّي قصائد نزار يصبح المغني أجمل وأحلى وأبقى واشهر".
وترى ماجـدة في قصـائد نـزار سـلاحاً فنيّاً لكل فنان جدّي ورصين وأصيل ، لإيقاف زحف الأغاني التجارية الفائضة والعائمة على السطح .
وماجدة الرومي لها رؤية واضحة بالناقد والنقد " على الناقد أن يكون موضوعياً ، ومجرّباً ، ومتجرداً من الأنانية الضيقة ، ومن أنواع التعصب. والنقد الفنّي هو جزء من ثقافة الناقد والحركة الأدبية الراقية . والناقد في الأساس هو النخبة من الجمهرة . وعندما تعجب النخبة والأوساط بالقصيدة المغنّاة ، فلا مبرر للوجود النقدي السائد ، فالنقد أولاً وأخيراً يحدده الجمهور المتنور. ويجب أن يصل إلى النخبويين والشعبويين ، وأن يكون ضد الظلم أي ظلم كان .
الفنّ ليس مهنة أو وظيفة بل هو رسالة تعبّر عن الناس والفنان ذاته. وصاحب الصوت المميز ، لا بد أن يعتزل الغناء عندما يصبح معمّراً ، كي يبقى نجماً ساطعاً في أعين وعقول مريدية ومحبية " .
غنت ماجدة للعدالة وللحرية وللإنسان وللوطن . وهي تحب الحقيقة ، وتقوم بإظهارها. وهي في استنفار دائم لمصلحة الناس والوطن معاً . وهي أم وزوجة ناجحة ، تنام هادئة الأعصاب ومطمئنة البال . وتقيم توازناً بين الواجبات الأسرية والواجبات الفنيّة .
وتتساءل ماجده : هل يعقل أن يعطي الفناّن ذاته ، للوطن وللناس ، ويفرحهم، وهو يعيش محبوساً ومهموماً قي بيته ؟!
وماجدة تحب النجومية وتحب ذاتها بنفس المستوى .
وأغاني ماجــدة ترفعك إلى سابع سماء ، وتعطيك فرح الحياة ، وتجعلك تحب ذاتـك ووطنـك وأمتـك والناس . والمهـم في الأغنية ليس طولهــا أو قصرها ، المهم هو اللحن والفكرة والصوت ، واستجابة الحضور والجمهور للأغنية . والناس في عصر السرعة يفضلون الأغنية القصيرة على الأغنية الطويلة التي هي نتاج البطالة والعطالة ، والفراغات العاطفية والسياسية والاجتماعية . والفنـان يغنّي للحب دوماً كي يخفف من ضغوطات الحياة اليومية /stress/ على قلبه وقلوب البشر جميعاً .
وقصيدة " أحتاج إليك " أحبّ الأغاني لقلب وفكر ماجدة ، لأنّها تعبير صادق عن سيرة حياتها ، وكأنها عمل من أعمالها .
وماجدة صاحبة الصوت الأوبرالي ، تغنّي على خشبات المسرح ، وفي الساحات والهواء الطلق ولا تغني في المطاعم والفنادق . لأن صوتها أوبرالي. ولأنها تحترم ذاتها وقيمها وجمهورها . وصوت ماجدة هادئ وخافت داخل منزلها ، وفي علاقاتها العائلية مع الآخرين وأوبرالي في الحفلات والمهرجانات. وقوة طبقات صوت ماجدة ، تجعل الملحنين يفصّلون ويلحنون على قياس صوتها. والملحّن الناجح ليس الذي يلحن لحناً مســبقاً ، أو يصنع قالبـاً جاهزاً ، بل هو الذي يبدع لحناً من بنية وجوهر القصيدة المغناة ذاتها . وهذا مما يجعل ماجدة تنسى ذاتها والزمان والمكان . لأنها تذوب في اللحن والغناء والأداء ، وتصفيق المعجبين ، ويجعلها تطير ، تطير، وتحلّق في الفضاء الكوني . لأنّ الرباعي " النص/ الصوت/ اللحن/ الجمهور" يشكل عالماً جميلاً وإنساناً متفائلاً . ومن أغاني ماجدة المفضلة لديها " سقط القناع " للشاعر محمود درويش ، وبيروت ست الدنيا للشاعر نزار قباني . وأغنية سيدي الرئيس " ليست موجهة إلى رئيس عربي محدد ، بل موجهة إلى كل شخص في موقع السلطة يضع برنامج عمل ، ومشروعاً طموحاً . يجعل الإنسان العربي ، الغائب حاضراً ، والمهمّش فاعلاً .
وأغنية / سيدي الرئيس/ من روائع القصائد الأوبرالية المغناة في القرن الفائت ، كلماتها : توحي بغد مشرق واعد .
ألحانهــــــا : تجعل جيلاً كاملاً يواكب ربيع العالم المعاصر.
صوتهـــــــا: ينهض شعباً من سباته العميق .
انفعالاتها وحركاتها: تنقل المجتمع من التضامن السلبي إلى التضامن الايجابي . وهي ترفض أن يعتقل صوتها في مساحة ضيقة . وتطمح أن يلعلع صوتها في فضاء مفتوح .
وماجدة متأثرة بالشاعر نزار قباني ، والاثنان يتقاطعان في قول الصدق وإظهار الحقيقة ويرفضان المسايرة والتكسب والرياء الاجتماعي .
ومن أغانيها الرائعة / سقط القناع - نكون أو لا نكون / .
تقول الناقدة المصرية ليلى رستم عن ماجدة " فيلسوفة عصرها ، وإنسانة حقيقية ، وأوبرالية متميزة ، وظاهرة فريـدة ونادرة ، وعجز القرن الفائت عن إنجاب مثيل لها ، ومن الصعب جداً أن نجد مغنين أوبراليين بمستواها ".
لأن صوتها وحنجرتها يجعلان منها مغنية أوبرالية لا مثيل لها في حوض البحر المتوسط .
ويتوافر في بيتها العائلي روابط الأسرة الشرقية ، ومفردات الدفء ، والصدق والحرارة والحنان رغم انفصالها عن زوجها .
وماجدة الرومي واقعية ، وحالمة ، تطير كالفراشات ، وتمشي كالطاووس خـلال المهرجانـات . وماجدة على خشـبة المسرح تختلف عن ماجدة في بيتها ، ففي المسرح تطير ماجدة وتتعملق ، وفي البيت تحط ماجدة وتتأزم .
وصوتهـا هـو الربيـع ذاتـه ، ويصدح فرحـاً وإشــراقاً . وهي صادقة ومحبة ، وملتزمة بهدف نبيل يدعو إلى تشكيل جبهة ثقافوية فنية دفاعاً عن إضاءات التراث العربي الغنائي ، ونهوض إنسان ومجتمع جديدين .
تحب الألبسة والعطورات في حدودها الدنيا . ولا تظهر للعيان مطلقاً في شــوارع بيروت ، بل تظهر في شوارع أوروبة . وهي تقدّس الأمومة والبنوّه/ هلا – نورا/ الأولى شاعرة باللغة الفرنســية والثانية مغنية ، وماجدة لا ترغب لابنتها أن تصبح مغنية مثلها .
وتطمح إلى مسـتقبل حالم ، ومســـاواة المرأة بالرجل . وفي بداياتها الفنية ، وقفت والدتها لا والدها إلى جانبها. وغنّت للأطفال. وتربّت ماجدة في بيت جدها ، من أهل أمها ، الذين كانوا على صلة وثيقة بالغناء والتلحين .
وأول أغنية غنتها في برامج الهواة ، هي أغنية لأسمهان . وقلّدت صوت عبد الحليم حافظ ، وليلى مراد . وفي نهاية المطاف كونت عالمها الغنائي والصوتي المستقلين .
وماجدة لا تميل إلى ألبوماتها القديمة ، لأنها تحزنها .
أثرت الحرب على نفسية ماجدة ، وكان إنتاجها الفني رمزياً خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية المأساوية . وتعثّرت مسيرتها الفنية والحياتية خلال سنوات الحرب المؤلمة . وكان مجال تحركها صعباً جداً . وتألمت كثيراً بسبب إنتاجها القليل والمتواضع .
غنّت ماجدة بقوّة وحماس للوطن وللنهوض ، وللتنوير . هي مؤدبة ومثقفة وواثقة من ذاتها . وكبار الشعراء والملحنين يحتاجون إليها ، وتحتاج إليهم . والظروف المأساوية للحرب جعلت ماجدة فنانة ناضجة . وهي تخشى طلقات المدافع النارية ، وتفضل الطلقات الغنائية . ولها علاقة حميمة بالمخرج المصري يوسف شاهين . وتتعاون مع ملحنين معروفين ، ومخرجين في مصر ولبنان والسويد .
وماجدة لا تُفهم أو تُقيّم بالمقاييس والمعايير السائدين بل من خلال اندفاعاتها وانفعالاتها ونبراتها وروحها ونفسيتها وطموحها ، ولها جمهرتها العريضة والواسعة في العالم العربي بعامّه ، وسوريا ولبنان والجزائر بخاصه. وتستحق بجدارة أن تكون رئيسة منتخبة لجمهورية ديمقراطية أوبرالية .
تقول ماجدة " كل مطرح غنيت فيه ، له فضل عليّ ، والفن هو تعبير عن مشاعر الناس وهمومهم وأحزانهم وأفراحهم وتطلعاتهم للغد " .
وأغنيات ماجدة تحاكي جروحاتها وجراحات الآخرين ، والوطن وطموحاتها. وتغني ماجدة للمظلومين من الأفراد والشعوب . وأغنيتها لكل الناس ، للتخفيف من وجمعهـم ، وحزنهم ، وقلقهم ، وتوتراتهـم . وصوت ماجدة هو مرآة للروح ، يحلّق بغضاء السلام ، متمرد على الظلم والاستبداد . وأغانينها متنوعة ومتفرعة ، وملتزمة بقضايا العصر والإنسان . تغنّي للإنسان الحقيقي لا للإنسان الفئوي .
تقول ماجــدة عن ذاتها بصوت دافئ ومتوتر ومؤثر" أنا تلميذة جبران خليل، أنا تجربة كل إنسان حر، أنا بنت اللوز والصنوبر والكورنيش وكفرشيما.
أنا جاي من كلّ الأماكن ، واغني لكل ّالمطارح ولكلّ الناس ".
وماجدة تنحاز إلى الأغنية الجادة والهادفة والمحبة . والفن عند ماجدة ، هو صوت احتجاجي ، وصوت قول الحقيقة . وماجدة تحلم بأغنية تحمل مواصفات صوتها وأحاسيسها وطموحها وبدون تكرار الماضي ، وأن تكون الأغنية جميلة لا مصطنعة ، ومثيرة لا مبتذلة . ونجاح الأغنية في قاموس ماجدة يتطلب جمالية في الصوت ، واللحن ، والشعر، والدلالة ، وثقة بالذات في الوقفة والإطلالة والحركة .
واستطاعت ماجدة أن تتخطّى خجلها تجاه جمهورها ، واستطاع جمهورها تخطي خجله تجاهها . وهي تخشى الثروة الكبيرة ، وتفضل الحياة في أجواء عادية معقولة ومقبولة .
وتحب أن تحقق إســعاد الناس وإراحتهم ، والتخفيف من دموعهم وأحزانهم ، والمردود المادي ليس هدفاً عند ماجده ، لأنها تهدف إلى تحقيق الفن الهادف النبيل والإنساني .
وماجدة متأثرة باللونين الغنائيين ، الغربي والشرقي ، وتقوم بالتوليف بين اللونين . وهي مع القصيدة الحرة ، قصيدة إنسي الحاح ودرويش و القباني. لأنها تحب من أعماقها أن تغني القصيدة الحداثوية .
ومهرجان بعلبك كما تراه ماجده " هو جزء من صناعة الدولة اللبنانية، وهو عمل لإنتاج خصوصية المغنية اللبنانية . وكرست بعلبك ، شخصية الفن اللبناني" .
وتحذّر ماجــدة من خطر القوى الخفية على الأمن العربي والإنسان قائلة " لبنان نســر من النسـور، وهو ليس عصفوراً من عصافير الدوري . وللعالـم العربي عدو خطر يشتغل بالخفاء ، وعلينا أن نواجه هذا العدو. وأغانينا تقف بالمرصاد لمواجهة كل أنواع الأخطار . ويبقى للبنان سيناريوهات خاصة به" .
وماجدة تجانب التضامن السلبي . وتدعو إلى التضامن الايجابي . وهي تحترم الوطنيين وتقدّس الذين يدافعون عن وجودهم وأمنهم وسلامهم .
وترى الفن ، بواريد الصيد ، للدفاع عن وجود وموجودية الإنسان العربي لمواكبة إنســـان الحداثة المتمدن . وتدعو أغاني ماجدة إلى الرفض والتمرد ، والثورة على اليأس والإحباط والسوداوية والاستسلام .
وتحب ماجدة عصر الشموع لا عصر التكنولوجيا الحديثة ، لأن قمة الحضارة كما تقول " هي تحقيق إنسـانية الانسان ، الانسان الذي يرحم الآخرين ، ويحب ، ولا يحقد أو ينتقم . والجيل القديم من الفنانين يتصف بالبراءة والطهارة والصدق والإنسانية " .
وماجدة الطامحة إلى تأسيس مسرح غنائي استعراضي يتطلب البدء من قمة ما وصل إليه مسـرح الرحابنة أولاً ومواكبة المسرح الاستعراضي الغربي في تقنياته البسيطة ، المدهشة والمثيرة ثانياً وهذه مهمة شبه مستحيلة !
وترى ماجــده أن عافية الإنسان مرتبطة بعافية وطنه وعملته ومنظومته الأخلاقية .
وماجدة فلتة من فلتات التاريخ ، وهي ظاهرة فنية متفوقة ، وترغب أن يكون عام 2004 عودة المحبة إلى ربوع لبنان ، ورفع الأنخاب للعائلة وللصداقات . وماجدة التي هي مجد الأمّة الثّقافي والغنائي ، تنتقد موج الفن الهابط / الصاعد في زمن مؤسف بدأت خلاله تطفو على السطح ، الأغاني المعبّرة عن هبوط الذوق الفنّي السائد لدى جيل الشباب الذين يعيشون في مناخ ثقافة الاستهلاك ، لا ثقافة الإنتاج .

جوليـا بطـرس
صوت الأنسنة

جوليا لها أحاسيسها الخاصة ، وطريقتها المميزة في الرؤية والموقف والانفعال والغيرة والخبرة والتقنية . والفن في أدبياتها ليس ندماً واعتذاراً وآهات وطيراناً ، بل هو وسيلة تحريض وإثارة وتفاعل مع الوسط الجغرافي- البشري وصولاً إلى هدف نبيل . والفنان التائب هو الفنان الذي يشيخ فنّه وبيولوجيته مبكرين . والفن الرائع هو استكشاف دائم وتأليف لمجتمع جديد ، ولقيم ولحياة نبيلتين .
تمثّل جوليـا في فنّها الدرامي والغنائي إشراقة الحاضر، وتفاؤلية الغد القريب . طارت شهرة جوليا في العالم العربي من أول قصيدة غنتها / غابت شمس الحق/ . ويشعرك صوتها الطفولي والإنساني بدفء الحياة وحبّ الأطياف الأخرى .
وهي لا تميل إلى الموضوعات التاريخية والصحراوية . إنها تختار الموضوعات الاجتماعية في الغناء ، والدراما السينمائية والتليفزيونية . وتعمل على تأسيس إنسان حرّ في وطن حر.
وعندما ننظر إلى لوحة الجوكاندا ، كأننا ننظر إلى جوليا التي ينطبع على وجهها ابتسامة غامضة ، تجمع بين الفرح والحزن في لحظة تاريخية واحدة .
كانت فتاة مدللة من قبل أسرتها والأساتذة الذين علموها في المدارس والمعاهد والجامعات . وجوليا الملكة العربية المتوسطية ، لا تغّني للمناصب والعروش والنياشين ولا للمستر دولار . إنّها تغنّي للإنسان وللأرض وللجنوب /غابت شمس للحق/ . وغنت لكل فكرة نبيلة ، وكما الجيوكندا عشقت ذاتها فإن جوليا عشقت ذاتها أكثر.
وعاشت جوليا المفردة ونقيضها . وجوليا تخشى الضوء والعتمة وتحبهما حيناً آخر " ضووا البيوت ونوروا الساحات " .
وتبتسم جوليا بغوايه وتحملق ببرود .
تعيش العزلة وتحبها ، تفتح قلبها للذين يفهمونها ويحبونها.
وجوليا حنان دافئ وهدوء ونرفزة ، ورقّة ومشـــاكسة ، وانتظار واستهتار، واحتشام جسدي وسفور عقلي ، حازمة ومتسـامحة ، عصرية وفطـرية ، رحيمة ومتشددة ، تضحك ضحكة طبيعية وضحكة أخرى تمسخر فيها الحياة .
إنهــا تحب الصعـود إلى أعـالي القمـم . وهي طموحـة إلى النجاح الدائم ، والصعود إلى قمّة عرش الغناء والدراما . ومخيلة جوليا تختزن حزن العالم وصقيعه . وصوتها يختزن فرح العالم ودفأه وحرارته . وهي حزينة في الداخل وفرحة في الخارج .
وجوليا تحب التفرد والتميّز ، والخصوصية الذاتية الرائـدة . وتطمح إلى أن تغنّي أشياء جديدة لم يؤلفها ويلحنها ويغنيها إنسان قبلها . وهي لوحة تشكيلية رومانسية ، وواقعية ، وحالمة ، وطامحة إلى إقامة مسرح غنائي استعراضي تعبيري ، لا مثيل له في حوض البحر المتوسط ، معتمدة في تحقيق ذلك على الحتمية القدرية وطاقتها ، وطاقات زوجها وأخويها زياد وصوفيا ومحبّة الناس لها . وهي تختار الكلمات التي تغنيها بما ينسجم مع دفئها الداخلي ، وطموحها البشري . إنها تغني للطبيعة الجميلة ولكل فكرة رائعة .
وهي بنت مدللة لأبوين من مرجعيون ، يقنطان بيروت الشرقية، ويحبان الجنوب والإنسان . وقد أثّرت الحرب الأهلية والاعتداءات المتكررة على سيكولوجية جوليا الطفلة .
تربّت جوليا على حب الرحابنة بعامة وفيروز بخاصّه .
ونشأت أيضاً على محبّة بيروت والإنسان والجنوب .
والبطارسة مثالهم النموذجي هو الرحابنة، تقول جوليا : " نحن متأثرون بالرحابنة وبفيروز ، ولكننا لسنا امتداداً لهم ، أنا وزياد خط مستقل ، علاقتي بفيروز رسمية ، ولفيروز هالتها الخاصة ، والمشرقة ، وسحرها القوي ، أكن لها الإجلال العميق ، وستبقى في قلبي دوماً " .
وجوليا النجمة الساطعة في حوض بحري متوسطي دافئ بمياهه ونسائه وعشقه ، تنسى نجاحها المؤقت ، لأنها تطمح إلى نجاحات مستمرة .
والعائلة عند جوليا مقدسة . وهي سيدة متزوجة وملتزمة بحياتها الأسرية الخاصة . ولا تميل إلى السياسة والتسيّس .
وجوليا التي كانت ممتلئة كالجيوكندا ، صنعت من ذاتها جوليا الرشيقة والمتفائلة . وجوليا الرصينة والعفوية تعيش موج الفرح والحزن ، والمد والجزر العشقي للشهرة وللذات .
وأصبحت تضاريس وجه الطفلة - الشابة مماثلة لتضاريس وجه بيروت الحرب والرعب ، وبيروت السلم والأمان والحرية .
وجوليا الغناء / تبتسم دون أن تضحك... وتبكي دون دمعة / .
وجوليا الحياة / تضحك فرحاً ، وتبكي دموعاً / .
وجوليا التاريخ تطمح إلى مسرحة التاريخ من جديد ، ونقله إلى دراما الشاشتين الكبيرة والصغيرة .
وتعيش جوليا العظمة والبكائية ، العظمة أيام الحفلات والمهرجانات، والبكائية في عالـم العتمة الداخـلي . وتبكي أمــام أختهـا صوفيا بكاء طفلة ضيعت أمها ، ولعبتها ، وبطاقة نجاحها . وتكشف عن سرّها الخاص إلى أختها صوفيا الناقدة ، وصاحبة الإحساس المرهف ، والذوق الفني الرفيع .
وفي نفس اللحظة التي تمسك بها جوليا ، خيوط الحلم ، سرعان ما يضيع ويطير، لأنّ جوليا من أعماقها ترغب أن يبقى العالم رومانسياً وحالماً لا عالماً حسيّاً ومكشوفاً وعارياً .
والإنسان كما تراه جوليا ، ينمو ، ويكبر ، ويتطور ويتجدد باستمرار . وتحب أختها صوفيا كثيراً ، لأن ذاتها تراها في أختها صوفيا . ولا تختزن جوليا في جعبتها وذاكرتها ، نجوم الأدب والفن . وتحب فيروز الحلم أكثر من فيروز الواقع . وبصراحة جوليا تعشق جوليا الطامحة إلى زراعة القيم في الشرق العربي بعامّة ولبنان بخاصّة .
وجوليا ترفض تسنم السلطة السياسية ، وتطمح إلى تسنم السلطة الفنية والغنائية في الجمهورية النسائية .
ويحاول البطارسة تطوير كلمات الأغنية والصوت واللحن والأداء... ويؤكدون على الارتباط العضوي بين الكاتب والملحّن والمغنّي . وتسعى جوليا إلى تحقيق توازن متكافئ بين الفن والحياة ، حيث الدراما لا تقلّد الحياة ، بل الحياة هي التي تقلّد الدراما .
تقول جوليا : " المشاعر الجنسية هي البداية الأولى للفن الدرامي والغنائي. ثم تحولت البدايات إلى موضوعات جنسية ، وإلى طقس ديني ، ومن ثم إلى موضوعات تقليدية " .
ولم يعد الفن الدرامي يطمح إلى التسامي وارتقاء المضامين ، بل أصبح الصوت الغنائي يوظّف لكسب الناس ، وتحقيق المنفعة واللذة .
واستطاعت جوليا أن تنطلق من عالم الأغنية الثورية والحالمة . وأن تشكل لوناً جديداً . وأصبحت نجمة متوسطية للغناء في وقت مبكر . وذاع صيتها في الجغرافية العربية من أول أغنية /غابت شمس الحق/ وفي أول مشاركة بطولية في مسلسل تليفزيوني " أوراق الزمن المر 1997" .
وتعاطفت جوليا في حياتها ونصوصها الدرامية والغنائية مع المظلومين والمتعبين والمهجّرين والبائسين . وأحبت جوليا السلم الأهلي ، والتصالح الاجتماعي . ورفضت التضامن السلبي ، واعتمدت التضامن الإيجابي .
ولا تغني جوليا للسلطة ، وللعمالقة ، بل تغنّي للشعوب . تضامنت مع شعب الجنوب والبقاع الغربي يوم 14/3/1997.
تقول جوليا : " كلما أغني أغنية غابت شمس الحق ، وأسمعها ، أتأثر كثيراً. لأنهـا تعيدني إلى الذاكـرة ، ذاكـرة جرح عميـق جرح الناس وجرحني معهم ، وأحزنني " .
وهي تمثل مرحلة تاريخية مؤلمة من حياة شعب ، قاس وتألم وحزن . وتغريد الطفلة ، طفلة قانا بنت فرح وحزن ، وأبكت تغريد الطفلة جوليا الشابة عندما غنّت تغريد " غابت شمس الحق " .
ويبقى الطفل رمزاً للصدق ، وللعفوية ، وللطهارة ، وللبراءة .
والأطفال يحبّون الأغنية الوطنية والثورية ، ويتفاعلون معها ومع صاحب الأغنية . وفرح تغريد هو فرح جوليا... ودموعها هي دموع جوليا... ودموع كل إنسان حقيقي .
وتهدي جوليا إلى أطفال العالم أغنية / قصص/ ليتحرروا من ذاكرة العنف والتذكارات المأساوية ، وللاقتراب من عالم شروق شمس الحرية .
وجوليا تقدّس الأفراد الذين ماتوا في خنادقهم دفاعاً عن الحرية ، وصولاً إلى الاستقلال الكامل ، واحترام الأموات الشهداء يتطلب في معيار جوليا احترام الأحياء ، الذين يطالبون بالحرية وتحقيق العدالة .
وتجمع جوليا بين الأغنية الوطنية والأغنية الرومانسية . وهي إنسانة عاطفية ورومانسية ، وتحلم بوطن جميل في حريته وعدالته .
ولا تغني جوليــا أغاني ســويتها متدنية . إنهـا تغني لحالات حب عاشتها ، وعاشها الناس . والأغنية عند جوليا تمثل هويتها أكانت رومانســية أو وطنية . وهي بنت موســـيقا الحرب ، لأنها ولدت في الحرب ، وتربّت في الحرب.
وغنّت جوليا لكلّ موضوع أحّست به ، كي يتفاعل معه الناس . وكان أهلها يقفون دائماً إلى جانبها ، وجعلوها تشعر شعور وأحاسيس الآخرين في الهزيمة والنصر، والفرح والحزن ، والتفاؤل والإحباط .
والشعر عند جوليا هو نوع من المعرفة والحرية .
والحرية في معيــارها تعني تحمـل المســؤولية ، ومواجهة متاعب الحياة ، والاقتراب من عالم الحلم .
وأغنية / وين مسافر/ هي أغنية تدعو للحضور لا للغياب والسفر والرحيل. وهي تمثّل مرحلة تاريخية صعبة ، عاشـتها جوليا في حياتها . وتسأل جوليا ذاتها ، كيف يترك الناس أرضهم ويهاجرون ؟
وحال الجنوب اللبناني المحتل والمحرر، هو حال جوليا في أغنية /غابت شمس الحق/ . وتشعر جوليا بفرح ونشوة عارمين عندما تغنّي على المسرح . وتشعر بالحزن بعد نهاية البرامج والحفلات . لأن جوليا ترغب أن تبقى الحفلة الغنائية مستمرة ، كي تستمر لحظات النشوة عندها إلى أعلى مراحلها. تقول جوليا : " نحن شعب قوي وشعب يحب ، وآخرون يحاربوننا بالكره ، ونحن نحاربهم بالحب ، حبنّا لبعضنا ، وعندما كنت أسمع بالاعتداءات المتكررة على الجنوب ، كنت أشعر بغضب شديد لا يوصف " .
وشعرت جوليا بفرح عارم بعد تحرير الجنوب ، الذي اعتبرته انتصاراً لأغانيها ولكل مواطن لبناني . وخلقت الحرب عند جوليا الخوف والجرأة . وهي تشكر الحرب ، لأنها خلقت عند جوليا الجرأة والصراحة وقول الحقيقة . وتكره الحرب ، لأن الحرب ولدت عند جوليا الشعور بالخوف .
وفي حين تتوج غالبية أطفال العالم الجنوبي بالفقر ويعانقهم الموت ، فإن الحروب تبتلع الأموال ، وتلتهم طعام الأطفال .
ويبقى السلام تحت أي ظرف أفضل من مسيلات الدماء .
الحروب تعطب الأحلام والذاكرة والشعوب " لأن المتغيرات الدولية في أدبيات جوليا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وأدلجته وسوقه وحلفه ومنظومته أحدثت خلخلة في أساسيات التوازن الدولي ، وإلى استفراد قطب واحد بالقرار الدولي ، مما أدى إلى ظلم وتجويع وأفقار وحصار شعوب بأكملها. ويبقى التاريخ المسيطر هو تاريخ الحروب ، وتاريخ الاستقواء . وتوجد أنظمة سلطوية ظالمة وأخرى مظلومة ، وبالتالي لا يوجد استقرار وسلام في العالم قاطبة " .
وجوليا غّنت للوطن وللثورة ، وللمقاومين وللعشاق، وللمسافرين وللإنسان.
وظهرت أغنية / غابت شمس الحق / في ظل حريق شامل عمّ لبنان بعامّه والجنـوب بخاصّة . ولكن شـمس الحق عادت وأشرقت عام /2000/ . وجوليا /2000/ ترفض استعمال بعض المفردات والمصطلحات في نصوصها وحياتها ، فاستبدلتها بمفردات جديدة ، لأنها لم تعد تستهويها .
وأغنية / غابت شــمس الحق / لم تأت صدفة بل هي محصلة لتاريخ طويل ، وتعبير عن مخزون تربوي / ثقافي لجوليا ، التي تحترم كل إنسان يدافع عن شرفه وأرضه وأفكاره . وتؤمن بالثوابت في ظرفيتها . وتواكب المتحولات والمتغيرات . واستطاعت جوليا أن تتجاوز أغنية /غابت شمس الحق/ بأغنية وين الملايين ؟
وتستطيع جوليا أن تتجاوز أغنية وين الملايين " لأن جوليا التي غنت لحروب التحرير ، تبقى الأقدر من غيرها لأن تغني أغنية السلام في منطقة الشرق الأوسط .
وتغني جوليا في الصالات الكبرى المغلقة وفي الهواء الطلق . وترفض أن تغني في المطاعم ، والأندية ، والفنادق والمقاهي .
ولم تعد طامحة إلى تأسيس مسرح غنائي استعراضي قائلة : " أنها تفضل عالـم السـينما القـديمة التي كانت تعبـر عن التضامن الإيجابي وجماليات الواقع ، بينما تعبر السينما الحديثة عن التضامن السلبي وبشاعات الواقع . وأننا لا زلنا صغاراً في مجال التقنيات الحديثة ، ونملك قدرات بشرية محدودة وصغيرة " .
وتحب جوليا المسرح الغربي المعاصر، والبسيط في أدواته وديكوره ومظهره وأشـيائه ، والعظيم في تأثيراته وتحريضاته ، والقريب في مضمونه ودلالاته من الحياة اليومية المعاشة .
ولم تعد جوليا مبالية بموجة الغناء الجديد العائم على الســطح . فهي ترغب أن تأخذ دوراً أساسياً في الأدوار المسرحية التي توكل إليها . وهي ترفض دراما الحياة الخاوية فكرياً وحضارياً وإنسانياً .
وعالم جوليا المفضل هو في المسرح لا في الاستديو . وتفضل مفردة ناس على مفردة جمهور وجمهرة ، ومفردة إنسانة على مفردة فنانة .
تقول جوليا : " الحلم العربي ليس مجرد أغنية من كل قطر بل هو فعل يومي على أرضية الواقع ، وموقف وجودي فاعل في مواجهة قضايا الحياة المعقدة " .
لذا فإن أدبيات جوليا ترفض مفردات الشعارات العريضة البرّاقة والتحزب الشرائحي والتأدلج . لأنها صادقة مع ذاتها وأفكارها وسلوكها . ولا تحب جوليا مفردات الإلزام والالتزام قائلة : " أنا إنسانة كأي امرأة أحب وأكره وأثور وأغضب وأنفعل . وأنا أنتمي إلى العالم الواسع ، إلى الشعر إلى وطني وأرضي وذاتي . وأنا أحب الفن الذي يضعني في مواجهة وجودية مع الذات والآخرين. ويبقى الفن أكثر رسوخاً وأصلب عوداً من السياسة " .
وجوليـا متفائلة بالغـد القريب ، وقـدرات الآمــة على مجابهـة التحديات ، ومواجهة الاعتداءات الأرضية والفكرية ، ومواكبة نبض العالم المعاصر في التحديث والتجديد ، ومحاربة الجريمة والمجرمين ، وتحويل البحر المتوسط إلى بحر للسلام وللسياحة ولإقامة المدن الحرة .
تقول جوليا : " أحلم بوطن قوي ومثقف ، وله هدف ، وغير سطحي ، ووطن له جذور، ومواجهة تحديات الآخرين على كافة الصعد . وهذا الأمل يشجعني على الغناء والتمثيل والثقة بالمستقبل" . وأغاني جوليا تمثل لوناً استنهاضياً وتنويرياً . وتشكل جسراً يمتد من عشق الذات إلى عشق الوطن والسلام والإنسان .
وتطمح جوليا إلى أن تغني قصائد نزار قباني .
وعلاقة جوليا بالناس وبالآخرين " ليست محفورة على الرمال ، بل هي منحوتة على الصخور. الناس تحبني وتحترمني وتتواصل معي " .
وتنظر جوليا إلى المرآة فلا ترى نفسـها على مستوى جوليا في مرايا الناس . ولا تميل جوليا إلى تعميم الموضوعية والعقلانية .
لأنّ الذات البشرية في رأيها تفرز مجموعة من الانفعالات والتوترات العصبية النفسية .
وجوليا تمثل الأناقة والبســاطة والعفوية والطهارة الاجتماعية . وتبتعد عن البهرجة والفانتازيا في مظهرها ولباسها ومضامينها ونصوصها . وتميل إلى الصراحة ، وصفاء بشرة الوجه لا إلى التلميع والمكياجات .
وجوليا لا تعارض عمليات تجميل الوجه في هذا الزمن الصعب والمرّ والقاهر قائلة : " أنا لا أحبّ صوري القديمة ، ولا شكلي القديم . وأحب ذاتي عام 2004 أكثر من حبيّ لذاتي فيما مضى " .
وتعتمد جوليا العمل الجاد الهادف لا العمل الفكاهي للفكاهة . وأغنيتها هي هويتها. تبكي بســرعة ، ويحمّر وجهها خجلاً ، لكنّها بدأت تتحكم وتسيطر على خجلها ، رغم أن طفولتها كانت متميزة . وكانت في طفولتها تلعب مع الصبيان أكثر مما تلعب مع البنات . وكانت جريئة في القول والفعل معاً. وشحصيتها قوية ونرجسية ، وتحب القيادة ، وهي منسجمة في كلماتها وأفعالها. ولا تستطيع أن تكذب كذبة بيضاء على أسرتها وذاتها والآخرين .
والثلاثي/ جوليا- زياد- صوفيا / يختلفون في الثانويات لا في الأساسيات. وجوليا تعيش التناقض في نصوصها وحياتها ، تعشق الفنّ ، وتشعر أحياناً أن الفنّ أصبح عبئاً ثقيلاً على حياتها الخاصة . وتحب الشهرة ، وفي لحظات أخرى ، تحب أن تكون عادية ، وبعيدة عن الأضواء والنجومية .
تقول جوليا : " الفن هو مرآة الحياة اليومية ، وتأليف لحياة جديدة ، أفضل وأحلى وأجمل " .
وتعاني جوليا صعوبة في تسويق منتوجها الغنائي ، لأن إمكانياتها المالية محدودة .
وتبقى شامخة الرأس والموقف . وفنّها لا ينتج ثروة في ظل كتل بشرية شابة لا تتضامن ولا تتفاعل مع العواطف الوجدانية والنبيلة .
والشـهرة لدى الإنســان الوجــداني تقذف به إلى الوحدة في أدبيات جوليا لذا ، ليس للإنســانة جوليا سوى صديقة واحدة ، هي صديقة طفولتها. ولا توجد لديها صداقات مع الوسط الفني. توجد لها علاقات عامة ومجاملات . وهي معجبة بفاتن حمامة ، وتحب أصالة نصري ، وتقرأ أدبيات جبران خليل جبران . وتستمتع إلى أغاني أم كلثوم وفيروز وماجدة الرومي . وموزعة جوليا بين مؤسـستين ، مؤسسـة الزواج ومؤسـسة الفـن ، وبين الشهرة والوحدة ، وبين الفن والحياة .
وترى ابنها الصغير 2000 أجمل طفل وقصيدة ووطن . وجوليا متمسكة باللهجة اللبنانية في الغناء والدراما قائلة : " اللهجة اللبنانية هي اللهجة الأكثر جرأة وحرارة ودفئاً . إنها تجعلك تعرف المخارج ، وكيف تغضب وتحب وتثور وتعبّر وتنفعل " .
أما اللغة الفصحى فتشكل قيداً على شغلها وعملها الدرامي البصري . وهي تتعامل مع اللغة الفصحى معاملة ترجمة لغة إلى لغة أخرى ، مع احترامها الشديد لعروبتها وللغتها الفصحى .
وتقدم جوليا عديداً من الخدمات المجانية ، حيث توظف ريع بعض حفلاتها للمتعبين وللمعوقين وللمهجرين .
وجوليا تؤيد الحضارة التي تقدّس الإنسان ، وتكافئ المبدعين ، وتدفن الحروب ، وتخلّص البشرية من الألغام الفردية ، والمعطوبين وأسلحة التدمير الشامل . ولكنها تقيم تواصلاً وهمياً لا بشرياً ، تقول جوليا : " في مجتمع العولمة تنعدم الصلات الاجتماعية ، والعلاقات الحميمة . ويضرب التواصل البشري . وأنا ضد هذا المجتمع العجائبي والغرائبي ، ولا أحبه مطلقاً " .
لأنّ جوليا تعشـق التواصل البشري المباشر ، وتحب الأرض والناس والسلام .

صبــــاح
الصوت المتفائل
حملت جانيت في عينيها وذاكرتها ويومياتها، مســؤوليات عائلية/ إنسانية/اجتماعية/ فوق طاقاتها وإمكانياتها.
عندما تعرضت الصبوحة في بداية عام /2000/ لوعكة صحيّة ، لف رداء الحزن جغرافية لبنان وحين تعافت، تعافى لبنان أرضاً وشعباً.
وبقيت الصبوحة أقوى من الزمن والمرض والهموم.
وقاومت بروح عالية المستوى، أحزانها وتجاعيدها.
وسبب لها تعدد زيجاتها وشهرتها ، أزمات ذاتية وعائلية ، وجرّ متاعب قاسية لابنتها هويدا.
فادي لبنان ، وأنور المنسي صارا زوجين منسيين في ذاكرة وحياة الصبوحة.
تُعتبر صباح " ركناً أسـاســياً من أركـان النهضة الفنية ، وقيمة تاريخية ، وثروة مادية وفكرية للعرب أجمعين " .
صباح ثالث بنت في أسرة ، كانت تترقب وتطمح إلى أن يكون المولود القادم ذكراً لا أنثى .
والدها : كان أباً شرقياً محافظاً ومتشدداً في علاقاته الأسرية /الاجتماعية. عمها : شحرور الوادي ، كان كريماً ومغنياً وحنوناً وطيباً وشاعراً ومغنياً. سيمون وأختها الصغيرة : عانقهما الموت مبكراً .
أختها لميا : مارست الغناء والتمثيل ، وقامت صباح بالإشراف على تربية أختها سعاد .
وصباح هي خلطة فكرية وحياتية للأسرة كلها ، وخلطة قيمية لأخلاقيات الأسرة ، ومعتمدة صناعة الفرح والضحك .
رفضت بحزم أن تكون رقماً من الأرقام المسجلة في سجل الولادات ، ثم بعد حين تسجل في قيود الترحيلات .
ولأن صباح موهوبة ، ومتسامقة ، ومغامرة ، وشقية ، فقد اختيرت أن تكون نجمة في قريتها وهي طفلة ، ونجمة في الغناء العربي ، وهي سيدة محترمة. وكانت على مستوى اختيارها وطموحها .
وتحزم الأسرة أمرها وحقائبها ، وترحل عن وادي الشحرور ، لتستقر في حي من أحياء بيروت ، وعمرها آنذاك سبع سنوات .
تقول لميا: " أختي ثروة فنيّة ونقدية للبنان ، وفي طفولتها قتلت عدداً من الصيصان قائلة : أنتم صبيان " .
وصباح هي ركن أساسي من أركان الغناء والفن العربيين ، وسفيرة لبنان الغنائية في العالم العربي والخارجي .
لم تعترف الإذاعتان المصرية واللبنانية بأغاني صباح إلا بعد مرور أكثر من عقد من الزمن .
أول مسرحياتها ( مسرحية الأميرة هند ) .
أول بطولة لها في أول فيلم / القلب الو واحد / .
أول مخرج رفضت صباح أن تتعامـل معه ثانية ، هو المخرج يوسف شاهين . لأنها كانت تخشاه كثيراً. وكانت ترتاح لأنور وجدي .
أقرب الأزواج إلى فؤاد الصبوحة / رشدي أباظة / وفادي لبنان ، ثم تخلّى فؤادها عن فاديها ، لأنه تجاوز الحدود .
أول من قبلها وهي صغيرة ، وديع الصافي .
أول أغانيها الملحنّة ، أغنية لحنها رياض السنباطي قائلاً عنهـا : " دمها خفيف ".
أول لبناني طلب يدها ، عاصي الرحباني ، وقد رفضته في البداية ، وندمت على رفضها السـريع في النهاية وبخاصة بعد أن أصبح عاصي من كبار الملحنين . وأول من شجعها على الغناء ، والدتها وعمها شـحرور، وسعيد فريحا ، وفريد الأطرش ، وكمال الخطيب الذي علمها الإنجليزية ، ورياض السنباطي .
أول سفرة للصبوحة ، خارج لبنان ، كانت القاهرة .
أول من شجعها على القدوم إلى القاهرة ، السيدة المنتجة أسيا .
وفي لحظـة تاريخيـة صعبة ، ومغـامـرة جريئة ، تحـزم صبــاح أمرهـا ، وتضبضب حقائبهـا ، وتبيـع منزلهـا في بيروت ، وترحل عن لبنان ، وتستقر في القاهرة . عاشت الصبوحة في بداياتها الفنية بمصر أزمات نفسية ، وأزمات في الطعام والمسكن والدواء .
وعاشت صباح البكاء والفرح معاً .
وكانت مصر في أدبيات صباح ، فتاة كريمة ، ومنحت قلبها للجميع .
ومن أصدقـاء الصبوحة الأسـاسيين ليلى مراد / وديع الصافي/ فريد الأطرش ، وكان صوت الصبوحة قريباً من صوت وديع الصافي .
صوتان ريفيان من لون واحد ، هبطا من الريف إلى المدينة لمعانقة الأرض والإنسان ، يمثّلان توأمين في المواويل اللبنانية ، وصورتين حملا في نظراتهما وذاكرتهما وغنائهما لبنان إلى كل المطارح . وتمثّل فيروز وصباح رمزين أساسيين من رموز لبنان الحرّ .
وكان طموح الصبوحة أن تتصور مع فيروز في بعض اللقطات .
وكانت صباح في تجربتها وحيدة منذ البداية . أماّ فيروز فقد عاشت تجربة محظوظة ، لأنها بقيت محروسة من قبل الرحبانيين .
وكانت ليلى مراد المثل الأعلى الإنساني للصبوحة .
وهي حزينة على ليلى مراد بسب تدهور حالتها المادية والصحيّة ورحيلها القريب .
وكان فريد الأطرش يطمح أن يعيش قصة حب مع صباح ، لكن الصبوحة كانت تفضل الزواج والاستقرار الدائمين .
وعندما رحل فريد الأطرش وجدت صورة صباح في جيبه .
واشــتركت صبـاح في بطـولات عديـدة مـع نجوم الشـاشة السينمائية ، المصريين منهم واللبنانيين .
ولها /3000/ أغنية .
وشاركت في بطولة /85/ فيلماً و/16/ مسرحية .
وهي حزينة في عالمها الداخلي ، وفرحة في عالمها الخارجي .
وعاشت حياة مكوكية بين مصر ولبنان .
الرجل الأول في حياتهـا ، نجيب شـماس ، والرجـل قبل الأخير في حياتها ، فادي لبنان ثم أرشفته مع المنسيين .
تقـول صبـاح : " تزوجت وكـان عمري 17 ســنة ، أمي ســت عظيمة ، ساعدتني في حياتي ، واهتمت بي كثيراً . أمي تقوّست من قبل أخي انطون بتحريض من أشخاص لعبوا بعقله ، وقوّس أمّه ومعها عيتاني .
إنها مأســاة حقيقية ، ودائمة في حياتنا وذاكرتنا. وبعد موت أمي تعذّبت كثيراً ، وتمّ الطلاق من زوجي الأول . وكنت ابكي الليل من أجل ابني صباح المريض ، وحزناً على رحيل أميّ ، وقمت بكفالة أخوتي وأهلي " .
وقام كبار الملحنين بتلحين أغاني الصبوحة " رياض السنباطي- الأخوين رحباني-عصام رجّه - روميو لحّود- فيلمون وهبي" .
وعبد الوهاب أثّر بنفسية الصبوحة ، وكان أخاً حنوناً ، وأعظم إنسان عرفته الصبوحة .
وعاشت الصبوحة تجربة حب من نوع جديد ، وانتهت بزواج الصبوحة من ولي العهد الكويتي ، وتزوجا في مدينتي كان وباريس . وخسر الشيخ الصباح في نهاية اللعبة ، صباح كزوجة ، ومنصبه السياسي كولي للعهد .
والصحافة لاحقت الصبوحة ، وتعقبت أخبارها وحركاتها ويومياتها . لذا قررت الصبوحة أن تهرب من لبنان ، وتلتجئ إلى مصر ، وتتزوج من أنور المنسي الذي خطف منها هويدا ، ولكن الصبوحة أعادتها إلى حضانتها بأمر من المحكمة المصرية .
وكان أنور المنسي عازفاً ماهراً . مات على أثر حادثة مؤلمة في سباق للأحصنة العربية الأصيلة .
حاولت هويدا الانتحار، لكنّ الصبوحة منعتها من فعلها الشنيع المفترض.
وتأكد للصبوحة أنها ارتكبت حماقة لا تغتفر ، لأنها اقترنت بالسيد أنور المنسي ، وأنجبت منه طفلة .
ومنذ رأت هويدا النور ، حملت معها أينما سافرت الخوف المرتسم في عينيها والمختزن في ذاكرتها .
وظلت الصبوحة حزينة وفرحة معاً ، حزينة لأنها ارتبطت بالمنسي ، وفرحة لأنّها انفصلت عن المنسي الذي أفسد لها حياتها . وكان مقامراً من الدرجة الأولى .
وصباح نادمة على كل زيجاتها السابقة . ولو كانت واعية لمستوى وعيها عام /2003/ ، لما تزوجت سوى مرة واحدة . ولو استجابت الصبوحة لمشاعر الملحن فريد الأطرش لعاشت معه قصّة حب خالدة شبيهة بقصة حب آراغون لعيون إلزا التي خلدّها في أشعاره .
وعاشت الصبوحة تجربة احترام متبادل مع عبد الحليم حافظ الذي كان يستلطفها . تقول الصبوحة : " الزواج من الفنان والسياسي هو زواج محكوم عليه سلفاً بالإخفاق ، لأنّ الفنان والسياسي يحبّان فنهما وعملهما أولاً وعاطفتهما ومشاعرهما لاحقاً " .
لذا ، تنصح الصبوحة ، الفنانين بعدم الزواج مطلقاً ، رغم أنها تزوجت مرات عديدة ، وأقامت صداقات متنوعة .
والرجل الثالث في حياتها ، أحمد فرّاج ، وكان رجلاً مصرياً متدنياً . شكل لصباح راحة نفسية ، وحياة آمنة ومستقرة ، لكنّها فضّلت الطلاق منه ، وهي نادمة ، ولم تنجب منه ولداً .
والصبوحة نظيفة في عالمها الداخلي ومظهرها الخارجي .
وأصبحت الصبوحة تمثّل تراث الوطن اللبناني وذاكرته وفنّه وعظمته وإضاءته .
غنّت الصبوحة للحب وللوطن وللوحدة .
وشكلت مدرسة للدلع وللفرح وللإغراء .
وتعلقت بالقاهرة وبالعاصمتين بيروت ودمشق .
أحبّت من رجالات السياسية ، كميل شمعون ، جمال عبد الناصر/ صائب سلام/ رشيد كرامي .
وصباح ثروة قومية ، حصلت على جوائز تقديرية من رؤساء للجمهورية في مصر ولبنان . وهي مؤهلة لكي تكون عضواً أصيلاً في حكومة الجمهورية النسائية الفنّية كما ترى أدبيات عادل إمام .
باختصـار هبطت الصبوحـة من الجبـل إلى بيروت حـاملة في ذاكــرتها ، الســهرات الجمـاعية ، وموســيقا المزارع ، وأغاني الريفيين ، والطبيعة الجميلة الرائعة .
وتبقى موسيقا المزارع تتدفق حيوية ونشاطاً ، وتنبض بالحب وبالمشاعر الإنسانية أكثر من موسيقا المتاجر والمساكن الإسمنتية المعلّبة .
لأن الأغاني الجبلية والريفية أكثر حباً والتصاقاً بالإنسان وبالقمر وبالمطر وبالعشق ، وبالمحاصيل الزراعية .
شكّل جبل لبنان تربة خصبة ملائمة للمواويل وللمقطوعات الغنائية ، وعالم محبب للرومانسيين من أدباء ومفكرين ، وصباح صوت غنائي جميل عبّر عن الجبل والبحر وبيروت .
وأحبّت صبـاح فنّها ، والإنســان الـذي يحبّ فنّه ، يحب الحياة والآخرين ، ويبقى وجهه أكثر نضارة ، وأفكاره أكثر إشراقة وحيوية .
وهي نادمة على زيجاتها المتعددة ، وعلى هدر وتبذير أموالها ، لأنّها وقعت في أزمة مع ذاتها وأقاربها ، في ظلّ نظام استهلاكي يعتبر الدولار إلهه الجديد وسيده المطلق .
والصبوحة ملكة المواويل والموضة والفرح .
وعندما تجابه الصبوحة مشـكلة ، أزمة ما تقوم بتأدية صلواتها ، وتتوكل على الله ، وتغنّي بغية تجاوز أزمتها ، واقترابها من تحقيق غايتها . وهي لا تنظر إلى الحدث الراهن من منظور البارحة أو الغد بل تختار اللحظة الراهنة .
لأنّ الإنسان في أدبياتها يعيش مرة واحدة ، ولأنّ الحياة في نظر الصبوحة شبيهة بالشمس التي تغيب في البحر فجأة ، والعمر لحظة ، ولا مبرر للهموم وللأحزان .
وصباح رشيقة القوام ، وأنيقة الملبس والمظهر، وأقرب إلى الفراشة والطاووس في مشيتها وغندرتها .
ورغم الزمن الذي يسرع في خطاه ، فلا زالت الصبوحة تحافظ على فسحة من الفتوة والجمال والنضارة والحيوية .
وهي شمس الشموس في عالم الأغنية الضاحكة والراقصة ، وســـخية في صرف أموالهـا على أقاربهــا والمحتاجين . وشــعار الصبوحة الصباحي" اضحك تضحك لك الدنيا " .
وترفض الصبوحة التعاون السلبي في تعاملها مع أخطاء الآخرين . لأنّها تحترم الجميـــع ، وتتجــاوز هفوات الآخرين . وتعتمد التضامن الإيجابي لا التضامن السلبي . والصبوحة لم تكن تطمح إلى تعدد الزيجات والزواج .
كانت أدبياتها تعتبر الزواج خطاً دفاعياً عن ذاتية الإنسان ، لكن رياح الشهرة عصفت بطموح الصبوحة . وعاشت التعددية . وبقيت معجبة بأناقة أميرة ويلز/ دايانا / . وأحبّ الأشياء إلى فؤاد الصبوحة، فنّها وأسرتها وجمهورها ولبنانها .
ولبنان المحرر يشمخ بالصبوحة ، والصبوحة تشمخ بلبنان .
وأغاني الصبوحة وألحانها تجعـلان الجبل يعانق البحر ، والعاشق يتماهى في الطبيعة ، والقرية تتحوّل إلى عرس وفرح دائمين .
والصبوحة زهرة مسيّجة بالمحبين والعاشقين ، ترافقها الابتسامة . وهي باريسية في أناقتها ، وعربية متسامقة في قامتها ، ولبنانية في دلعها وغنجها .
وامتلكت الصبوحة ذوقاً فنيّاً رفيع المستوى ، وصوتاً خلاباً وجذاباً كأزاهير الربيع التي تجذب إليها الفراشات .
وحافظت على بعض من فتوتها ، وفتوة أغانيها ، لأنّها أعطت حياتها لجسدها وللفرح ، وللأغنية ولجمهورها .
وتمثّل أغاني الصبوحة ، القرية اللبنانية بربيعها وشموخها ، ومياه النهر المتدفق والدائم الجريـان ، والعرزال ، والطفولة الســـعيدة ، والطبيعة الرائعة ، والبلابل المغرّدة ، وسعادة الأم بأبنائها، وشموخ الجبل بقامته، وكبريائه وصلابته .
جيـل كـامل تعلّق بحب الصبوحـة وبأغانيهـا وبضحكاتهـا . لأن مواويلها ، ومقطوعاتها الغنائية يواكبان فرح العالم ، ونشاطاته .
وأغاني الصبوحة ، تمثّل مهرجاناً للفرح وكرنفالاً للحب وللعشق .
والصبوحة مســتمرة بأغانيهـا الضـاحكة والمفرحـة حتى آخر لحظة من تاريخها .
وعام 2002 أدركت الصبوحة ، وبعد فوات الأوان ، بأنها تحررت من عبودية الرجال .








الليدي دايــانا
سندريلا القرن /20/

الملكة رمز إيحائي / معنوي / تاريخي للشعب البريطاني ، ومعبر عن ذاكرة المشروعية الدستورية للمملكة المتحدة البريطانية .
ودايانا إنسانة قريبة إلى أفئدة البشر، لأنها كانت تظهر في الشوارع والساحات والحدائق العامة . وتبتسم وتضحك ، وتفرح وتحزن ، وتقرأ الصحف اليومية. وتساعد المحتاجين . وتسمح لطفليها وليام وهاري أن يلعبا مع الأطفال . أحبت دايـانا الناس أكثر مما أحبت القصر ، ولكن الأسرة الملكية ممثلة بالملكة اليزابيت ، كرهت دايانا .
لأنها كانت تســـتخدم عينيها وشفتيها أثناء ضحكاتها المعبرة عن تفاؤلها في الحياة اليومية .
ولبست دايانا التنورة التي لم تعهدها الأسرة الملكية في تاريخية حياتها. كانت دايانا رائعة في سلوكها وتصرفها ورؤيتها ومواقفها وحياتها .
وهي أميرة ويلز الموهوبـة والمتفوقة ، والمحببة إلى أفئدة الشعب البريطاني . خرجت دايانا بجرأة على التقاليد الاجتماعية للأسرة الملكية البريطانية . وانفصلت باختيارها عن أميرها المحافظ على التقاليد الملكية .
في بداية طلاقها ، كانت الأميرة حزينة ، وفي صداقاتها كانت سعيدة. ونهايتها ، كانت كارثه / مأساوية .
استولت دايانا على قلوب الملايين ، وهي تخوض آخر مغامرة حب حي وضح النهار مع صديقها المصري الأسمر.
وامتلكت الأميرة حساً إنسانياً ومشاعر نبيلة ، والبعيدين كل البعد عن واجباتها الملكية الرسمية الصارمة .
تربعت دايانا على عرش مملكة الأناقة والرشاقة . وكانت ملكة الموضة والأزياء معاً.
باعت ثيابها بالمزاد العلني ، لتقديم المساعدات المادية والمعنوية للجمعيات الإنسانية والخيرية .
وعملت بكل إمكانياتها المتاحة لمقاومة حوادث الموت الموقوتة ، والمتمثلة في الألغام الأرضية المضادة للأفراد .
وقدمت المسـاعدة والتشـجيع لكل من احتاج إليها . وكانت الأميرة دايانا تزور، وتقبّل مرضى البرص والإيدز .
وتمثّل نمطية حياتها ، وصداقاتها الخاصة خروجاً على التقاليد الملكية والكنسية .
ولم تستطع دايانا أن تصبح ملكة في الواقع ، بل بقيت ملكة في أفئدة الشعب البريطاني وعظيمة ، ونبيلة عصرها في نظر شعوب العالم بعامّه والشعب البريطاني بخاصّة ، في حين نظر الإنســان الشـرقي إلى الأميرة نظرة محافظة ، واحتج داخلياً بالصمت والإيحاء على سلوكها الراقي والمتمدن والمتجاوز .
وأسقط القصر الملكي عن الأميرة دايانا لقب الملكة . لكن موت الأميرة المفاجئ ، وهي في عز شـــبابها وفتوتها ، جعلها ملكة على قلوب الشعب البريطاني.
وهبت الأميرة حياتها للمحرومين وللمعوقين .
وأحبت الحياة ، والناس ، وولديها وليام وهاري ، وصديقها العربي الأسمر /DODI/ .
تمتعت دايانا بنوايا طيبة وصادقة ، عندما حزمت أمرها ، وقررت الانتقال من عالم الصداقة إلى عالم الزواج ، بعيداً عن الضجيج والشهرة ، ومضايقات وملاحقات الصحافة والصحفيين . وقابلتها الصحافة البريطانية الشعبية في أواخر صيف 1997 بنوايا عدوانية ، حيث قامت بمطاردتها ، وتعقب حركاتها بشكل فج ومزعج . ومن ثم ودعت الحياة ومعها الحبيب والعشيق والزوج . وصديق دايانا العربي المصري ، لا زوجها السابق تشارلز هو الذي جلب السعادة والفرح لـ /دايانا/ . وهذه السعادة أزعجت الأسرة المالكة ، وأودت بحياة الصديقين في ظروف غامضة ، تدعو للاسف والحزن الشديدين .
وأغنية / شــمعة في مهب الريح / هي تعبير صادق عن حزن الملايين على الرحيل الأبدي لأميرتهم . ولف رداء الحزن ، الشعب البريطاني بتركيباته الاجتماعية وأجناسه المتعددة ، عندما غيب الموت أميرته .
لقد كتبت دايانا رســالة إلى كبير خدمها بول قبل رحيلها الأبدي بعشرة أشهر ، وكانت تتوقع فيها أن يعبث أحدهم بمكابح سيارتها ، لذا كانت متخوفة من اعتداء يقع عليها ، وتوقعت مقتلها بحادث سيارة .
وكشف بول أن الأميرة دايانا كانت عند مصرعها مغرمة بالجرّاح الباكستاني حسنت خان ، وأنها كانت حاملاً !
وبما أن زواج دايانا المفترض من شاب مصري أسمر سيسبب حرجاً للأسرة المالكة ، لذا عادت نظرية المؤامرة إلى الانتعاش من جديد . وشغلت دايـانا في حياتها ورحيلها المجتمع الأوروبي بعامّة والمجتمع البريطاني بخاصّة .
وكان السؤال المطبوع على شفاه الملايين من الشعب البريطاني ، كيف تموت القديسة دايانا ، وتبقى العجائز على قيد الحياة ؟!
ولم تعش دايانا حريتها الشخصية ، لأن الكاميرا كانت تلاحقها خطوة خطوة في حلها وتنقلاتها ، لذا حدثت الكارثة المروعة والمؤلمة حقاً .
وفي 6 ســـبتمبر 1997 شــيعت دايانا في موكب جنائزي ، لا نظير له في العالم . ودفعت دايانا حياتها ثمناً للحب في حادث سيارة في نفق باريسي بشكل يدعو للدهشة وللتساؤل !
ويبقى التاريخ مديناً بالوفاء والعرفان للأميرة دايانا في حياتها ورحيلها الأبدي . وفي كل عـام يرحـل، يحتفـل البريطانيون احتفالاً حزيناً ، حزناً على رحيل قديستهم ، أميرة ويلز ، الأميرة دايانا سبنسر .
وسيندم لاحقاً ، الفاعلون الذين قاموا بفعلهم الشنيع تجاه الأميرة / الملكة ، لأن الذاكرة الشعبية تلاحق القتلة في نهارهم وأحلامهم .
وتبقى دايانا ظاهرة نادرة الحدوث والتكرار في الأسرة الملكية بعامّة والأسرة الملكية البريطانية بخاصّة .
وهي سندريلا القرن 20.
وأشهر امرأة لاحقها الإعلام في التاريخ الحديث والمعاصر .
أصبحت دايانا ملكة قلوب البشرية ، لا ملكة بريطانية . ورفضت أن تكون قطعة أساس في قصر، بل اسـتطاعت أن تكوّن هويتها الاجتماعية/الذاتية المتفردة .
وأظهرت الحنان / الدفء / العناية بمرضى الإيدز. وقامت برفع منزلة الأمومة ، في تعاملها مع ولديها . وعاشت مشـاعرها عواطفها / هواياتها في ضوء النهار.
وكانت تنظر باستخفاف وامتهان ، للمصورين الصحفيين المأجورين الذين سببوا لها الإزعاج والقلق الدائمين . أمّا جين Jean فلم تكن مصورة صحفية مأجورة . كانت مصورة إنسانية . وأحبّت من أعماقها دايانا ، وولديها. وحزنت كثيراً على فراقها .
وصارت دايـانا شــعلة مضيئة إلى الأبد ، ورمزاً من رموز حرية الشخصنة ، التي لم تعرفها عائلات البلاط ، في أيّ قصر من قصور العالم .
وفي حديقة هايد بارك اللندنية ، أقيم نصب تذكاري للأميرة دايانا الراحلة.
وتبقى دايانا المتحررة من المحافظة ، وجان دارك المحرِّرة ، ضحيتين / قديستين ، أنبل شخصيتين نسائيتين ، عرفهما تاريخ البشرية ، بعد آلام السيد يسوع ، الذي جاء منقذاً / مخلّصاً للبشرية من عذاباتها ( I S.H ) .

جـورج ســـاند
نجمة فرنسا القرن /19/
السفر/ الرحيل / المغامرات / تجديد الصداقات / غزارة الرسائل / العمل على تحرير المرأة / الواقعية الاشتراكية لا الرومانسية / الوقوف إلى جانب المهمشين الريفيين / الإصلاح الاجتماعي السلمي/ رفض العنف المنظم الثوري الماركسي/ امتناعها دخــول الأكاديمية الفرنســية والترشيح للجمعية الوطنية /1847/ ، ومراسلة كارل ماركس / فيكتور هوغو/ بلزاك / توماس الأب / غوستاف فلويير، سمات خاصة ، تفردت بها جورج ساند على مثيلاتها ونظيراتها في القرن التاسع العشر .
أشهر أعمالها : أندايانا / مستنقع الشيطان / الساحرة الصغيرة .
هي أول إمرأة في العالم ترتدي طقماً رجالياً وتطلق على ذاتها اسماً ذكورياً.
وأول امرأة أرستقراطية تتعاطف وتتضامن مع جماعة كومونة باريس . وتتدخل لدى الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث لإطلاق سراحهم .
أحبت ساند أكثر من مرة .
واعتمدت قيماً مغايرة للمنظومة الأخلاقية المتمثلة في طبقتها الاجتماعية الأرستقراطية .
كانت رشـيقة ، وواثقة من ذاتها ، ورائعة الجمال ، وكاتبة من الدرجة الأولى ، ونبيلة حقيقية .
وســاند الأميرة والنبيلة حقاً في وسائلها وأهدافها ، أحبها الكثيرون من شعراء وروائيين وموسيقيين .
وهام بها الشاعران / أوسكار وايلد – الفردموسيه / .
وتعلق بها شوبان النمساوي الشهير بسمفونياته العالمية ، وتشارلز ديكنز الروائي الإنجليزي .
أصبحت ساند في القرن /19/ الشغل الشاغل للمجتمع الفرنسي بعامّة والمجتمع الباريسي بخاصّة .
وتفجرت عبقرية الفرد موسيه ، وحقق شهرة على الصعيد الأوروبي على أثر نشر قصيدة / رولا / في باكورة عشقه للأديبة جورج ساند ، وتوّج العشق برحلة حب رومانسي إلى إيطاليا .
وفي نفس اللحظة التي أبدت فيها ساند اهتمامها الشديد ، ورعايتها الفائقة لمريضها وعشــيقها ، فقـد خانته مع طبيبه . وعاد موسـيه وحيداً إلى باريس ، حاملاً معه الإحباط والانكسار وخيبة الأمل .
ورغم إبداعات موسيه الشعرية ، والكوميدية ، والدرامية ، فقد بقي ينظر إلى أديبته وعشيقته كأفضل أنموذج بشري على المستويين الذاتي والموضوعي.
لأن ساند نقلته من المجون والعربدة إلى الرجولة والعظمة والعقلنة .
وبقيت ســاند بالنسبة له أهم كائن بشري في العالم قاطبة. وتماهى موسيه في حب ساند إلى آخر لحظة في تاريخه . وتماهت ساند في حبها لـ/موسيه/ لبعض الوقت .
وأهمية ساند الفتاة الرائعة والأديبة ، وصاحبة الرؤية والموقف ، وعلاقة موسيه الحميمة بها قد أعادت له اعتباره في التاريخ الإنساني .
وأصبح موسيه وساند كائنين عاشقين رومانسيين ، وألمع وأشهر شخصيتين أدبيتين عرفهما القرن /19/ .
قامت جورج ساند بزيارة مفاجئة للإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث. واعتقد قائد الحرس الملكي الإمبراطوري بأنها زيارة رسمية يقوم بها إمبراطور لإمبراطور، لــذا لجأ قائد الحرس الإمبراطوري إلى إيقاظ الإمبراطور من نومه ، ليعلمه بقدوم ســاند . وتهيــأ الإمبراطور لاستقبالها في صالونه الخاص ، وهو فرح من أعماقه بلقائها .
واعتبر زيارتها شرفاً وفخراً وتواضعاً منها .
سألها الإمبراطور ، ماذا تريدين ؟
أجابت ساند، طلبي مستحيل التحقيق.
ورد عليها الإمبراطور ، قائلاً لها : اطلبي ما شئت .
أجابت : أرجو إيقاف أحكام الإعدام بحق رجالات كومونة باريس الذين أشعلوا أول ثورة عمالية في التاريخ ، أوصلتهم إلى سدّة الحكم/1871/ .
يستجيب الإمبراطور لطلبها ، ويلغي أحكام الإعدامات .
ويقرر إبعاد رجالات انتفاضة كومونة باريس إلى خارج فرنسة . ويصبح اسم جورج ساند علماً من أعلام التراث العالمي المحفور والمخزون في الذاكرة التاريخية كأعظم امرأة عرفها القرن/19/ .
بريجــيت باردو
B - B
نجمة فرنسا القرن 20
يُعتبر النصف الثاني من القرن الفائت، عصر النجومية للدراما السينمائية /مارلين مونرو- كلوديا - صوفيا لورين- لولوبريجينا- بريجيت باردو/. ورونالد ريغان اتّهم مارلين مونرو نجمة هووليود الأولى بالشيوعية ، لأنها تضع أحمر الشفاه !
هبطت /BB/ من إحدى ضواحي باريس إلى العاصمة ، وألزمها ظرفها الأسري / الاجتماعي إلى ممارســة فن الدانس ، في بداية العقد الثاني من عمرها ، لتأمين ما تحتاجه الأسرة من حاجات منزلية ولباس وطعام . واستغلت في بداية عملها الفنّي من بعض المتطفلين .
وعندما كبرت / BB/ رفضت الأدوار السـينمائية التي لم تكن تليق بإنسانيتها ، وقيمها ، ومفاهيمها .
لأنها إلى جانب ديلـون ، وجــان بـول بلومـوندو ، وغيرهم من النجوميين ، اعتمدوا الفن الأصيل ، والهادف إلى جعل الإنسان هو غاية الغايات.
أصبحت / BB/ ملكة الفن الدرامي السينمائي . وهي فرنسية اللون والقامة والرشاقة / وإنســانية في المشــاعر والرؤى والموقف ، ونبيلة في الوسائل والغايات ، وعالمية النزعة في طموحاتها وتطلعاتها .
وبقيت / BB/ نجمة سينمائية عالمية خلال ربع قرن من الزمن ، ملكة الإغراء والرشاقة والأناقة والإثارة ، والمحببة إلى قلوب الملايين من شبيبة العالم .
وتخلّت / BB/ عن عرشـــها الإمبراطوري الســـينمائي ، في قمة فتوتها ، ونجوميتها . وهي أنموذج منفرد ومتفرد ورائع .
بدايتها : نجمة سينمائية عالمية محببة إلى قلوب ملايين الشباب .
نهايتها : نجمة إنسانية عالمية ، ورئيس الداعين في العالم إلى الرفق بمملكة الحيوان ، وإلغاء الموديلات ، حيث ساهمت في تحرير المرأة الأوروبية بعامّة والمرأة الفرنسية بخاصّة من نظام الموديلات /الموضة/ التي كانت تتغيّر وتتبدل شهرياً وفصلياً .
وأقيم في باريس تمثال نصفي لـ / BB/ 1969 ، مشابه لتمثال السيدة ماريان التي كانت الرمز الأول للثورة الفرنسية .
لأنّ فرنسا تكرّم أبناءها ونجومها كلّ عام .
و/ BB/ أول من فازت بلقب/ فينوس/ عام 1969. وحصلت على جائزة فرنسية معادلة لجائزة الأوسكار. وعوملت كرمز مقدس لفرنسة ، وسفيرة متجولة في دول العالم .
وامتلكت /BB/ قيماً ونبالة في سلوكها وتفكيرها وحياتها ، وذوقاً إنسانياً جمالياً ، وفناً رفيع المستوى .
والمخرج الفرنسي / روجيه فاديم / اكتشف عدداً من الممثلات اللواتي تحولن إلى نجمات في السينما العالمية الواقعية أمثال / BB/ ، وجين فوندا. وشاركت / BB/ في بطولة أول فيلم 1956 " الله الذي أقلق المرأة " .
وكان روجيه فاديم في أدبيات / BB/ زوجاً وأخاً وأباً وصديقاً لها ، وهو الذي اكتشفها وأظهرها وهي في عمر 14 سنة . وأوصلها إلى الشـهرة العالمية . وتزوجها مبكراً . وأحبّها وأحبته ، وهي التي طلقته . وحزنت عليه عندما عانقه الموت عام /2000/ . وشعرت بعظمته بعد الطلاق منه ، ورحيله الأبدي .
وانحازت / BB/ إلى السلام والرفق بالحيوان .
وديفول الجنرال كان من المعجبين بالنجمة العالمية /BB/ . ودعا أثناء رئاسته إلى اجتماع يضم رموزاً من النخب الفرنسية (( علماء - أدباء - فنانون - فاعليات اقتصادية - سياسيون - عسكريون )) .
وطلب من / BB / التي كانت ترتدي بزّه عسكرية برتبة كابورال ، أن تجلس إلى جانبه قائلاً لها / سيدتي إنّي معجب بك كثيراً / ، وهو الجنرال المعروف بجديته وصرامته .
لأنّ / BB/ ذكرته بشبابه وفتوته عندما كان عريفاً في قوات الجمهورية الفرنسية .
كما أنّ دخل فرنسا القومي من ريع صناعة الأفلام السينمائية لـ/ BB/ كان يعادل دخل فرنسة الكامل من السياحة والصناعة معاً .
كانت / BB/ ثروة اقتصادية ومعنوية لفرنسا .
وديفول الجنرال نصح بعض الشركات الفرنسية التي أعلنت إفلاسها ، أن تطلق على شركاتها اسم / BB/ كي تنتعش ، وتعود إلى ميدان التنافس العالمي ثانية . وتسـاهم / BB/ في معارض الكتاب الدولي التي تقام في باريس .
وهي لا تحبّ الشهرة . لقد أحبتها يوماً ما ، لكنها الآن تحب ذاتها ومملكة حيواناتها وطيورها . وهي تعمل بكل طاقاتها وإمكانياتها الأسلبية والقانونية والإنسانية للحد من الظلم الواقع من مملكة الإنسان على مملكة الحيوان .
تقول/ BB/ : " بات من المؤسف حقاً أن ينزاح التواصل البشري والإنساني لصالح التواصل الوهمي الذي يمثل تواصل الدعاية والإعلان والرعب ، رعب النصوص السينمائية ورعب الحياة ".
و/ BB/ النجمة السينمائية ، أصبحت نجمة عالمية لجمعية الرفق بالحيوان .
تقضي أوقات فراغها في حديقتها الخاصة . وتقدّم لأبناء مملكتها العون والرعاية . وتلعب معهم وتداعبهــم وتلامســهم برقة ولطافة وحنان . وتعالجهم ، وتشرف على وجباتهم الطعامية . وتؤمّن لهم الراحة التامّة .
وبدأت التجاعيد تتســلل خلسة إلى وجه / BB/ الرافض لكلّ صناعة تجميلية ، لأن رعاياهــا لا يكترثون بالمكياج ، والصناعة التجميلية . وترفض/ BB/ تناول لحـوم الحيوانات والطيور ، وارتداء الجلود والفراء . لأنها تحترم رعاياها من المملكة الحيوانية التي يسودها العدل والكفاية ، والسلم الأهلي ، والاطمئنان النفسي ، والإحساس الرفاقي ، والشعور بالمسؤولية والاحترام المتبادل .
وتبقى الذاكرة الشعبية والتاريخية والكمبيوترية تختزن اسم / BB/ كأعظم ثروة مادية / معنوية لفرنسا خلال النصف الثاني من القرن /20/ .
وأشهر نجمة سينمائية عرفها القرن /20/ .
وأفضل إنسان ناشط في مجال حقوق الحيوانات ، حيث تقوم مؤسستها بحماية الكـلاب ومعالجتهم والرفـق بهم ، وملاطفتهم ، ومداعبتهم . وناشـدت / BB/ عبر موقعها على الأنترنت ، النظام العربي الرسمي منه والأهلي ، الرأفة بالحيوانات الأليفة والمدجّنة .
واعتبرت آكل الكلاب لدى بعض شعوب الشرق يمثّل شكلاً من أشكال الهمجية والوحشية قائلة : " إنّ الدفاع عن هذه الوحشية أو حتى تبريرها باسم الثقافة لهو أمـر عبثي " في مجتمع اســتهلاكي لا يرحم أحداً . ونجوم فرنسا ، وفي طليعتهم /BB/ يمتلكون إرثاً ثقافياً إنسانياً - متمدناً على عكس نجوم هوليوود الذين يصلون إلى قمة المجد والشهرة . ثم يهبطون في نهاية اللعبة السينمائية ، ويتحولون إلى وسائل دعائية ، للحصول على الدولارات بأية وسيلة ، ومن ثم يصبح لديهم فن الإعلان والدعاية هو غاية الغايات .

سيمون دي بوفوار
صوت الحرية
سيمون من مدينة باريس ، أجمل مدن العالم ، عشقها زوارها ، ولكن لم يمتلكها أحد .
وفي أدبيات سيمون وسارتر ، الفلسلفة هي طريق الحياة .
هي غزيرة في منتوجها الفكري " الجنس الثاني – المثقفون – الوجودية والأدب – الزحف الطويل – أنا وسارتر والحياة – مذكرات فتاة رصينة " .
وترفض أدبياتها أن تخضع ذاتها لذوات الآخرين ، ولقيمهم الجاهزة ، لأن الخضـوع يمثـل إلغـاء وجـود الفرد وحريته وهويته ببعديها التاريخي والإنساني ، ويشكل الروح المبتذلة / سيمون / أو روح الجد / سارتر/ .
وتنتقد ســيمون الروح المبتذلة قائلة : (( يتجلى فيها هروب الناس من الحريّة ، في إبداع القيم الحقيقية ، وهي إنما تسود عند سفلة القوم ، أولئك الذين لهـم أعيـن وآذان ، فهـم بلا حب ولا رغـبة ، وبهم من الوجود خوف ، ومن روح المغامرة رهبة ، وكذلك يحتمون بالقيم الجاهزة .
والطفل يعيش بعيداً عن الشك والقلق وتحمل المسؤولية ، لأن العالم الذي يعيش فيه ، هو عالم جاهــز كامل مصنـوع ، وكذلك نراه يقبل القيم الجاهزة ، ويعتبرها موجودة ، وجود السماء والأنهار والأشجار )) .(42)
ومقابل روح الجد يوجد الإنسان العدمي الذي (( يحرر العالم من كل القيم، وينسى أن وراء كل القيم ، قيمة عليا هي الحرية التي ينبغي عليه ، أن يكتســبها ويشــارك فيها مع الآخرين ، فحريتي يفترض فيها حرية الآخرين ، حتى لا تتجمد وتنقطع صلتها بالوجود . وتؤكد الوجودية أن حرية الإنسان ، هي أساس القيم وأن الذات الإنسانية هي مصدر القانون والواجب والحق )) .(43)
وأدبيات سارتر وسيمون تؤكد حق الشعوب في مقاومة الانتدابيين والمستملكين والمستعملين لأراضي غيرهم ، في فياتنام ، والجزائر .
يقول سارتر: (( سيمون هي زهرة الميموز الذهبية التي لا تذبل أبداً )) .
وشكل برتراند راسل محكمة برئاسته ، ومن أعضائها سيمون وسارتر لمحاكمة مجرمي حرب فياتنام وعلى راســهم جونسون ، رئيس الولايات المتحدة ســابقاً.
وأدبيات سيمون ترى أن الحرية شعلة حية إلى الأبد ، لن تنطفئ أبداً .
تعلمت سيمون من سارتر كيف تفكر جيداً .
وتعلم سارتر منها كيف يقبل على الحياة في شوق .
وتعلم روجيه جارودي منها ، كيف يفهم الأنثى .
وكانت سيمون جزءاً من وجود سارتر.
رفضت أدبيات " كامو – سيمون- مورافيا – راسل – هيمنفواي – سارتر – شتاينبك " القيم الجاهزة .
وسيمون فيلسوفة محترمة، ونرجسية، ولا مبالية.
تقول سيمون : (( كل إنسـان يعيش لحظات انتفاض الحياة مصاب بالنرجسية . وأنا نرجسيه بطبعي ، الكتاب والفنانون أكثر الناس مصابون بالنرجسية . لأنهم يحبون حياتهم في قمة اللهب ، وأكثر مما ينبغي )) .(44)
وتقرأ سيمون ذاتها قائلة : " أحببت الحياة بكل عواطفي . كانت طفولتي متفتحة . كانت الحياة سعيدة . وكنت هكذا أمضي معها " . (45)
وكونت سيمون ثقافتها المتفوقة، عبر ذاتها الخلاقة، واستيعابها جدلية اللغة بالحياة اليومية، وللمادية التاريخية ، ومسارات الفلاسفة الوجوديين . وسيمون أشهر فيلسوفة لا فيلسوف عرفها القرن /20/ لأنها صارت صوت الحرية .
قرأ منتوجها وذاتها المبدعة فلاسفة وأدباء ونقاد " سارتر- آراغون-فرانسوا جنسون " . ويقرأ جنسون ، سيمون قائلاً : (( أحسست أنني أعيش مع أعمق كاتبة أنثـوية ، بحر من الفلســـفة ، والحس الفنّي الفيّاض ، والإبداع البراق ، والتمسك بالذات إلى حد رائع .
وأحسست بأنها ظاهرة وليست فرداً .
فأنت لا يمكنك فهم فرنسة وأوروبة المعاصرة إذا لم تقترب من سارتر وسيمون الاقتراب الواجب )) . (46)
وتعتبر أدبيات سيمون ، الأنوثة من صنع حضارة الرجال ، وليست الأنثى امرأة بالولادة ، بل هي صيرورة تاريخية فرضتها الحضارة (( الإنسان يكون هذا الشخص أو غيره ، بما يؤسسه ، ويفعله بحسب مشروعه الصادر عن الحرية . ولا تولد المرأة امرأة ، وإنما هي تصير كذلك .
وليس هناك أي قدر يشكّل أنثى الإنسان في داخل المجتمع من الجهة البايلوجية أو الســيكولوجية أو الاقتصادية ، وإنما الحضــارة في مجموعها هي التي أنتجت هذا الكائن الوســط بين الذكر والخصي الذي يوصف بالأنوثة )) . (47)
وتمثل المرأة مرحلة العبودية التي أفرزت مشروعاً قسرياً فرضه الرجال على النساء .
(( لأنّ عالمهنّ من صنـع الرجــال ، ويحتمين بالقيــم التي وضعها الرجــل ، وحين تواتى فرصـة التحرر لهــنّ ، يخترن النكوص والإحجـام ، ويرفضن اختيار المسؤولية ، وهذا ما تعتبره سيمون خطأ أخلاقياً ، وبين هذين الموقفين تكمن مأساة المرأة )) . (48)
والمرأة في أدبيات ســيمون لم تســتطع أن تكون عالماً مستقلاً عن الرجل ، بل عاشت في عالم من صناعة الرجال ، وبقيت موضوعاً لهم ، لذا أصبحت قضية المرأة ، قضية شائكة وصعبة الحل .
وسيمون ترى أن المرأة قادرة على تأسيس معادلة تتساوى فيها المرأة مع الرجل (( عندما تتربى المرأة تربية الرجل ، وتتحمل مسؤولياتها ، وتحصل على حقوقهـا ، وتصـل إلى منزلة من الحرية والوعي ، بحيث لا تعود ترى في الرجـل نصف إله ، بل رفيـقاً وصديقاً ، وتكوّن معه علاقة الزوج الإنساني )) . (50)
وقدرة المرأة على صناعة قيمها الجديدة ، بما فيها حريتها ومساواتها مع الرجل لا تفسد الحياة ، ولا تشكل ضياعاً لملذاتها ، لأنّ المرأة (( ستظل دائمـاً مختلفة عن الرجـل ، إذ لها علاقاتهـا الخاصة بنفســها ، وبجسدها وبالرجـل ، وبأطفالها ، وهي علاقات مختلفة كل الاختلاف عن علاقة الرجل بذاته وبالمرأة وبالعالم .
ولا بدّ من تحقيق الحرية لنصف البشرية ، حتى يتخذ ما نسميه الزوج الإنساني معناه الحقيقي )) . (51)
وأدبيات سيمون تعطي بعداً تاريخياً لحرية المرأة التي تتطلب (( أن تعي المرأة القوانين والأسباب المادية والنفسية والاجتماعية التي تتحكم في أوضاع عبودية المرأة ، أو حريتها حتى يتكامل مفهوم الحرية ، وتأكيد الذات .
وفي المحصلة تلتقي الحريات جميعاً ، لأنّ حرية الآخر شرط ضروري لتحقيق حريتي . وإنّ مضمون الحرية لا ينحصر في الحرية الفردية ، وإنما اتسع بحيث أصبح الحر ، هو أيضاً من يطلب الحرية للآخرين )) . (52)
وأدبيات سيمون تنتقد أدبيات فرويد قائلة: (( على كل من يرغب في إجراء بحث حول النساء ، أن يقطع علاقته مع فرويد تماماً )) .
لأنّ فرويد ، اعتمد قراءة المرأة الشاذة لا المرأة السويّة .
والإنسان المبدع في أدبيات سيمون ، هو إنسان كامل الأبعاد . يواصل مغامرة الحيـاة إلى أقصى مداها . ويختار مشـروعه . ويعمل على تحقيقه . (( في المستقبل ، ويتجاوز حاضره وكينونته ، لكي يحقق به وجوده ، ويثبت حريته )) .
وأدبيات سيمون رفضت العبوديات ، والمشاريع المفروضة ، لأنها تحررت من عبودية الرجل والأبناء .
واختارت مشروعها الذي ينسجم مع مشروع سارتر على دروب التحرر والحرية .

أم كلثوم
صوت الشرق الحالم
فاطمة شيخ إبراهيم من أســرة ريفية ، حزمت أمرها ، وحملت معها تاريخها ، وضبضبت حوائجها ، واستقرت في القاهرة .
وعاشت أم كلثوم متموجة بين أخلاقيات الترييف والتمدين والتمدن .
وتجسدت سيرة حياتها وإبداعاتها وعلاقاتها الرسمية والأهلية في مسلسل تلفزيوني عام 2002. ولم يستطع المشاهد المتابع لحلقات المسلسل أن يميز بين أم كلثوم " الممثلة " ، وأم كلثوم – " الحقيقية "في الإطلالة والأداء والحركة والصوت والانفعال والثقة بالذات ، والشعور بالشموخ والكبرياء .
وفي مسيرة أم كلثوم الفنية / الحياتية تزوجت مرتين زواجاً اسمياً لا فعلياً. وكان زواجها الحقيقي من خارج الوسط الفني ، ومن شاب مصري مغمور .
أحبّ ، الشعب ، والشعراء ، والملحنون صوت أم كلثوم . وارتقى الفن الغنائي المصري بالفريق الثلاثي " منيرة المهدية - أسمهان - أم كلثوم " .
والثلاث كن أقمار زمانهن ، وفاعلات في تحريك عواطف ومشاعر الجمهور العربي ، ومتألقات في إطلالتهن ، وغنائهن . ومثلت كل واحدة منهن لوناً خاصاً بها . وشغلن أمة العرب ربع قرن من الزمن .
وعندما كانت أم كلثوم تغني ، كان الشارع العربي يخلو من المارة ، وتغلق الحوانيت ، ويهرول الناس إلى بيوتهم ، لسماع أغنية أم كلثوم الجديدة .
تمتعت أم كلثوم بثقافة عالية المستوى في الإيقاعات الموسيقية السماعية والدلالات الفكرية . وكانت دبلوماسية في علاقاتها مع الملحنين والشعراء والمسؤولين والأصدقاء .
وكانت ترفض المقابلات الصحفيّة وأن يكتب عن حياتها الخاصة في الصحافة المصرية ، لأنها عاشت في حياتها عقدتين : عقدة الصحافة ، وعقدة انتفاخ غدتها الدرقية ، وسببت لها العقدتان آلاماً جسدية وأزمات نفسية .
غنت أم كلثوم لمصر وللإنسان وللأرض وللحب والحبيب .
وأحبت ثلاثة في حياتها " جمال عبد الناصر / والدها / زوجها الشعبوي المغمور" وكانت لها علاقات ودية مع رجالات القصر.
قام الملحنون المصريون باستثناء سيد درويش ، وفريد الأطرش ، بتلحين أغاني أم كلثوم " محمد عبد الوهاب– سيد مكاوي – بليغ حمدي – محمد الموجي – كمال الطويل – الســنباطي ". واستطاع بيرم التونسي ، والملحن زكريا أحمد ، تحرير أم كلثوم من احتكار ألحان السنباطي لأغانيها الجديدة . وشكل الثلاثة فريق عمل متكامل ومتضامن .
وتربعت أم كلثوم العرش الملكي للغناء العربي الرومانسي .
وسيطرت أغانيها في الخمسينات والستينات على الشارع العربي ونخبه .
لأنها عبرت عن العواطف البشرية والمشاعر الجنسية النبيلة .
وواكبت موج العصر الذهبي للرومانسيات القومية والوحدوية والتحررية والثورية ، ولكن بريقها بدأ يخبو مؤقتاً على أثر هزيمة يونيو 1967 .
والموت المفاجئ والمبكر للرئيس جمال عبد الناصر 1970 ، ولسيدة الغناء العربي ، في بداية السبعينات ، ونزار قباني في التســعينات ، جعل الملايين في مصر وسوريا مكتئبة ومحبطة .
لقد كرست أم كلثوم حياتها للغناء .
وأحبت مصر . وأحبتها جماهير الأمة .
وتربعت على عرش الغناء ، لتصبح أعظم إمبراطورة عرفها تاريخ الغناء العربي ، ومن الصعب إيجاد البديل ، لأنها ظاهرة في حد ذاتها .
كانت أم كلثوم ترفض بشكل حازم وقطعي أن يكتب عن جوانب حياتها الخاصة في الصحافة والمجلات والكتب . وشذ عن القاعدة، محمد عوض الذي تناول سيرة حياتها . وعاشت أم كثلوم البساطة والصدق والثقة والحب والسمو والكبرياء .
وصارت اللهجة المحلية المصرية لغة الدراما المصرية السينمائية والتليفزيونية ، بالفعـل التاريخـي الأدبي منـه والفني لأم كلثوم ، وفاتن حمامة ، وعبد الوهاب ، وعادل إمام .
وفي المحصلة أصبح صوت أم كلثوم ، الصوت الرومانسي ، الموحّد للحلم العربي .
حنين الريــــس
المتخيل والواقع

في غمرة الأحداث المؤلمة والحزينة التي شهدتها الكويت في العقد الأخير من القرن الفائت ، ورخاوة نخب عربية حاكمة ، وهشاشة كتل بشرية ، بقيت حنين الريس منتصبة القامة والموقف ، وطامحة إلى الارتقاء في نصوصها البصرية ويومياتها الحياتية .
الريس خريجة الولايات المتحدة في الهندسة المعمارية ، وخريجة مدرسة الحياة الكويتية في عمارة الفن البصري والتلصيقي .
ومن العمارتين شكلت الفنانة لوحة تشـكيلية ، معتمدة الوسيلة والغاية النبيلتين ... واللوحة ليست مجرد فراغات وإملاءات وتلوينات ، بل هي رسالة إنسانية موظفة لخدمة الذات ، والحياة ، والإنسان .
وامتلكت الريس لغة البصر، وفضلتها على لغة الكلام .
تقول عن لوحتها : (( مشاعر مطبوعة بالصورة ، والكولاج /COLLEGE/ أساسي في أعمالي ، وهو عبارة عن مكنونات فكرية نابعة من داخلي ، إنه دفتر أفكاري ، وعندي بصر أجمع من خلاله ذهنية تعبّر عن مشــاعري وأحاسيسي ، وما هــو موجـود في العالم ، واللوحة عندي قضية ، وليست مجرد عمل أو وسيلة )) . (54)
وتغوص الريس في جوانيات الذات البشرية ، ولا تهتم بالسطحيات . وترفض اللوحة الســاذجة . وتعتمد اللوحـة المركبة المتحولة ، وهي تحب لبنـان بعامة ، ومدينـة الآلهة / بعلبـك/ بخاصـة قائلـة : (( عندمـا زرت بعلبك في لبنان ، شعرت بالشموخ ، وأن الشمس قريبة مني ، واستفذني هذا الشعور وأخذت أصور ما أشاهده ، وما يجعلني قريبة منه في بعلبك ، أشعر بأن الزمن توقف هناك ، والقلعة كانت الكلام ، والتاريخ ، والزمن .
وعلى الفنان أن يكون قادراً على الدخول في بواطن الأشياء ، شرط أن يمتلك الأحساس )) . (55)
نحن نمثل أدواراً في مسرح حقيقي ، حيث يأخذ الشخص الواحد أدواراً متعددة ومواقفاً متباينة . ويصبح الفرد مهمشاً ، والهدف الإنساني ضائعاً. ويستبدل التواصل البشري بالتواصل الوهمي عبر الأنترنت (( الناس فقدوا الإحساس بالظلم ، وتعودوا عليه وأصبح مألوفاً .
الثقافة غائبة ، والصداقة هشة ، والحب باهت ، وأصبحت القراءة مشاهدة الأفلام . الناس يرغبون بالحب ، ولكنهم لا يعرفون . ويخافون من مشاعرهم الداخلية ، وأحاسـيسهم ، ويرتدون القناع بعيداً عن الصراحة ، كلامهم مجاملة ، وحوارات عابرة )) .(56)
وتفضّل الريس إنسان النص البصري الذي يرتسم في مخيلتها على إنسان الواقع ، لأن الأخير يرتدي القناع ، أما إنسـان مخيلتها فتقول عنه : (( إنسان لا يخاف من نفسه ومن الآخر ، ومن مشاعره ، ولا يرتدي القناع )) .(57)
والريس ترى أن الجنسين يعيشان الأحاسيس ذاتها ، والاتجاه نفسه ، ولا فرق بين الجنسين من الناحية البايلوجية ، في حين يعتمد المجتمع الكويتي التمايز بين الجنسين ، والتفرقة العنصرية بين الذكر والأنثى . وإن الفنان الكويتي يماثل الفنانين في نرجسيتهم .
وحنين الريس واثقة من ذاتها ، تقيم معارض فردية ، وتشترك في معارض جماعية . ولوحتها /الحيـاة/ لاقت الإعجاب ، وحصلت على جائرة أحسن لوحة في المعرض الخامس للفنون التشـكيلية الكويتية . ولوحتها ، وجوه الفقراء The Face Poverty ، لاقت القبول والرفض ، الرفض من قبل مؤسسات عالمية ، والقبول ، من ذات الفنانة الطامحة إلى التسامي والارتقاء عبر لوحاتها ، وتقريب المسافة بين إنسان النص البصري المتخيل ، والإنسان الواقعي .
ويبقى الواقع الراهن مأساوياً في نصوص حنين الريس البصرية .
ليلى العثمان
مأساة الواقع والحلم

استخدمت ليلى العثمان طاقاتها الأسلبية والمادية ، لتفعيل دور المرأة التاريخي في المؤسسات المدنية بعامّة ، والمؤسسة الزوجية بخاصّة .
وقبل الاجتياح الصدامي للأرض الكويتية ، تمتعت الأديبات بقسط وافر من الحرية ، ومنهن ليلى العثمان التي بدأت شاعرة وانتهت كاتبة ، قاصة وروائية.
وفي أدبيات فاطمة العلي ، لم تعد الكويت مجتمعاً مغلقاً . تدعو إلى نهوض المجتمع الكويتي بذكوره وإناثه ، وهي متفائلة بتفعيل دور المرأة التاريخي في نهوض المجتمع الكويتي .
وبعد استباحة الاجتياح الصدامي للكويت ، أرضاً وذاكرة وحياة ، بدأت الرقابة الصارمة تفرض على الأدباء والأدبيات ، من قبل التيار الديني السلفي الجديد لا من قبل التيار السلطوي السياسي الراهن .
وبقيت ليلى العثمان في وطنها أثناء الاحتلال الصدّامي للكويت . وانتقدت الهوّة بين خطي التخمة والفاقة في الواقـــع العربي الرسمي منه والأهلي قائلة : (( عندنا ثروات عربية هائلة، وخيرات كثيرة ، وهناك مجاعات )) .
وكتبت ليلى العثمان عن الســلطة الشمولية الأبوية ، وهمـوم الوطن العربي ، وأنثاه ، وتحررهمـا قائلة : (( في الســـتينات كنا نكتب عن الخيانات ، وعن علاقة المرأة بالرجل بجرأة وحرية .
ولم يقل لنا أحــد : هذا مسموح ، ولا هذا ممنوع ، محنتنا ، أصبحنا مكبلين ، إمّا أن نطبع خارج الكويت أو لا نطبع ، وليست الدولة هي التي حاربتني . أصوليون رفعوا دعوى علي ، لقصص عادية نشرتها سابقاً )) .
والنص الأدبي للروائية ليلى ، هو نص واقعي ، وفضائحي . وتقرأ ليلى العثمان الواقع جيداً .
وتعمـل بوعـي وإرادة ، لتحريـر الرجـل من عقدة الشعور بالتفوق والسيادة ، وتحرير المرأة من عقدة الشعور بالدونية والتسفيل .
ويعّبر نصها عن هموم ومأساة الإنسان العربي ، في عصر يرفض إنسانه المساءلة قائلة : (( عالم يكسر شبابيك، ويقتحم غرفة جلوسك لتشهد العنف والدمار وسيول الدماء ، نتذكر أن هناك جياعاً .
وتطفو أمام عينيك صور المشردين وأطفال يتامى ، ومرضى، وشهداء، ذبحتهم سكين التطرف ، ودّكتهم آليات الحروب .
كيف سنمضي الحياة ؟ وتسأل نفسك ، تصحو... والسؤال مشنوق في حنجرتك الجافة )) .(58)
ويمثل الحلم والواقع في أدبيات ليلى العثمان مأساتين معاً قائلة :
(( الواقع يلاحقك بالشرور، والحلم نهاية تفجعك بالألم )) .
وتعرضت ليلى العثمـان لمضايقات وامتهانات ، من قبل التيار السلفي الحديث ، ولكنها استمرت في أدبياتها وحياتها ، ترفض الإرهاب والتعصب والاســتبداد .
وتعّبر ليلى العثمان في قصصها ورواياتها عن الكويت القديمة والحديثة .
وتعتمد في رواياتها ثلاثية الحلم والواقع والتخييل .
ومن رواياتها " المرأة والقطة – سميه تخرج من البحر – المحاكمة – العصص " .
ورواية المحاكمة 1996، تمثل دعاوى عديدة أقامها سلفيّون ومحافظون ضدها ، بتهمة أنها تدعو في رواياتها إلى العشق والفجور . وهي في الحقيقة تلجأ إلى كشف عورات المجتمع العربي بعامة ، وعورات الكويت بخاصة للانتقال من التضامن السلبي إلى التضامن الإيجابي ، المتمثل بالأعمار السياسي والاقتصادي والتقدم الاجتماعي .
وشخصيات " رواية العصص " موجودة في الواقع لا في التخييل . وترفض تعدد الزوجات وتزوج والدها تسع نساء .
وترفض ليلى العثمان اعتبار المرأة سلعة معروضة للبيع في السوق الحرة .
منعها والدها من طبع ونشر قصصها ورواياتها ، والتمثيل على خشبة المسرح .
وليلى العثمان ترفض المسرح التجاري الصراخي .
وبعد وفاة والدها أصبحت الكاتبة حرة في الطباعة والنشر. وفي نظرها تفوقت المرأة الكويتية على الرجل في الثقافة والعمل . وبات حضورها يمثل مساحة وفاعلية أكثر من حضور وفاعلية الرجل الكويتي .
أحبت ليلى العثمان مرة واحدة في حياتها ، عندما كانت في ربيعها الثامن عشـر. وتعاهدت مع شاب كويتي على الالتقاء معاً في دمشق تحت ظل شجرة... وعندما اقتربت من الحلم، ظهر والدها فجأة ، ومنعها من اللقاء به وضربها ، وضرب الحلم معها .
وليلى العثمان تحلم كثيراً .، وتطمح أن تحفر اسمها ، واسم حبيبها ، على جذع شجرة من أشجار هذا العالم !










المصـــــادر
1ـ ذاكرة الجسد- أحلام مستغانمي.
2ـ مجلة العربي- العدد 437 لعام 1995.
3ـ مجلة العربي- العدد 435 لعام 1995.
4ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر- غادة السّمان.
5ـ كتاب حب- غادة السّمان.
6ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر –غادة السّمان.
7ـ كتاب حب- غادة السّمان.
8ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر- غادة السّمان.
9ـ نفس المصدر.
10ـ نفس المصدر.
11ـ كتاب حبّ- غادة السّمان.
12ـ نفس المصدر.
13ـ نفس المصدر.
14ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر- غادة السّمان.
15ـ كتاب حب - غادة السّمان.
16ـ نفس المصدر.
17ـ نفس المصدر.
18ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر-غادة السّمان.
19ـ كتاب حب - غادة السّمان.
20ـ نفس المصدر.
21ـ نفس المصدر.
22ـ نفس المصدر.
23ـ نفس المصدر.
24ـ نفس المصدر.
25ـ ختم الذاكرة بالشمع الأحمر- غادة السّمان.
26ـ نفس المصدر.
27ـ مجلة العربي –العدد /478 لعام 1998/.
28ـ 29-30-31-32-33-34-35-36-37-38-39( ذاكرة الجسد- أحلام مستغانمي).
40ـ مجلة العربي-العدد 493 لعام 1999.
41ـ نفس المصدر.
42-43-44-45-46-47-48-49-50-51-52-53 (مجلة الفكر المعاصر المصرية- عدد آذار لعام 1967).
54- مجلة الكويت- العدد 195 لعام 2000.
55- نفس المصدر.
56- نفس المصدر.
57-نفس المصدر.
58- مجلة الكويت-العدد 202 لعام 2000.
59- نفس المصدر.